تكريم الجيش للانصرافي: ظاهرة السقوط ما بعد المشروع الحضاري وتحلل المؤسسة أحمد محمود أحمد/ الخرطوم
▪️مدخل للتفكير
عندما يفكر الإنسان في الواقع الذي وصلت إليه مؤسسة عريقة مثل مؤسسة الجيش لتتحول لمجرد كيان هلامي يقف على رأسه قادة معتوهين يصاب بالدهشة لهذا التحول، مما يتطلب ذلك طرح السؤال الجوهري حول ظروف تحلل هذه المؤسسة و تفككها بعد حكم الإسلاميين للسودان حيث يقوم جيش البلاد وضمن حالة غير مسبوقة لا في العسكرية ولا السياسة بتكريم شخص ما مجهول الهوية و ليست لديه صفة غير كونه( رداح) وهو الانصرافي حيث يحمل هذا الاسم دلالاته المبطنة والمرتبطة بانحدار مضمون اللغة نفسها ضمن الحالة التي نعيشها….هذا الجيش بدلا من أن يكرم أسر الذين سقطوا في هذه المعارك أو الجنود و الضباط الذين يقاتلون في ظروف سيئة يذهب ليكرم شخص مدني غير موجود في جبهات القتال ومتخفي ويسيء للجميع، مما يعكس ذلك فقدان هذا الجيش إلى المؤسسية و عدم امتلاكه خطاب إعلامي قوي حيث يعتمد على شذاذ الآفاق من أجل توجيه معاركه مما يتحول معه هذا الجيش إلى مجرد كتائب إخوانية تكرم الدبابين و المنفصمين المتحللين من أية قيمة، وهذا ما دفعنا لبحث هذه الظاهرة ومعرفة من أنتجها..
▪️تجليات الظاهرة و انعكاساتها
حسب علماء التاريخ فإن تطور البشرية يرتبط بحلقات في التطور، حيث وفي الغالب تنتقل البشرية من مرحلة وعبر صراع طويل مع الطبيعية حتي يفرض الإنسان حضوره ويستطيع الانتقال من كائن يخضع للطبيعة إلى كائن يخضع الطبيعة و يسخرها من أجل خدمته ومن هنا نشأت الحضارة… وفي المقابل عندما يعجز هذا الإنسان في فهم آليات التطور يقع في دائرة الانحطاط وهي الدائرة التي وقع فيها السودان بعد أن طرح “الإخوان المسلمون” مشروعا أطلقوا عليه المشروع الحضاري وحكموا من خلاله دولة السودان والتي وصلت في عصرهم إلى أسوأ حالات التدهور والانحطاط في كل شيء…إذن ما هي أوجه هذا الانحطاط؟
أولا : من أخطر أنواع الانحطاط يأتي الفساد في أجهزة الدولة و من ضمن الأجهزة المهمة التي تم إفسادها هي مؤسسة الجيش و التي هي مدار حديثنا عبر هذا المقال والتي سنعود إليها لاحقا لتحليل ظاهرة تكريم الانصرافي..
ثانيا: من أسوأ أنواع الانحطاط هي تدهور القيم والأخلاق، و يحدث هذا عندما يفتقد المجتمع النموذج المثال وعندما تتدهور الحياة الاقتصادية مع سيادة قيم جديدة هي قيم السوق القائمة على النهب و السرقات..
ثالثا: يحدث الانحطاط عندما يفكر الإنسان خارج العصر الذي يعيش فيه وبالتالي لا يستطيع امتلاك القوانين التي يفهم من خلالها التناقضات التي حوله. و لهذا يقول عبد المجيد سباطة (إن من يعيشون حاضرهم بمعزل عن سياقه ويتجاهلون الاستمرارية التاريخية و يفتقدون الثقافة قادرون على تحويل وطنهم إلى صحراء بلا تاريخ، بلا ذاكرة، بلا صدى و خالية من كل مقومات الجمال)..
أخيرا: يحدث الانحطاط عندما يتحول رجل الدين إلى السياسة ويكذب باسم الله ..وهذا ما حدث تماما في السودان وهو ما أبرز كل الظواهر السالبة التي نراها في المجتمع السوداني اليوم وضمن هذه الظواهر تأتي ظاهرة الانصرافي والذي ينتمي للمشروع الحضاري ويدافع عنه..والحديث هنا ليس عن الانصرافي الشخص لأني لا أعرفه ولكني أتحدث عن الانصرافي الظاهرة المتفلتة و المتحللة عن أية قيم عدا القيم السوقية..هذا الرجل يأتي انعكاسا لظاهرة الإسلام السياسي في السودان وما خلفته من انحطاط وعلى كافة المستويات حيث يأتي الانصرافي والذي يستشهد بآيات القرآن ولكنه يسب الجميع ويتعدى على أعراض الناس و يهين كل شخص لا يتفق معه، هذه الظاهرة المرتبطة بالانصرافي هي المنتوج لمصنع الإسلام السياسي..وهذه الظاهرة بالضرورة ليست فردية فهنالك أسوأ من الانصرافي ضمن منتوج الإسلام السياسي، لكن الاشكالية إن هذه الظاهرة والمتحللة عن أي معنى يخرج جيش البلاد ليكرمها علنا، كيف حدث هذا؟ لقد حدث هذا لأن الجيوش الحديثة لديها ضوابط ولوائح صارمة في التعاطي مع كل الأحداث، وهذه الضوابط افتقدها الجيش السوداني حين قرن تجربته بتجربة الإسلام السياسي في السودان ليصبح في هذه الحالة قائد كتيبة البراء الإسلامية أهم من القائد العام للقوات المسلحة و يتحول الانصرافي لعنصر أهم من دائرة التوجيه المعنوي كله في الجيش والقوات النظامية حيث يتحول هذا الشخص الفرد كموجه لكل أجهزة الدولة وهو يشتم الجميع ضمن حالة لا يمكن وصفها إلا بحالة تداعي القيم و انعدام البوصلة الحاكمة بين أجهزة الدولة، مما يمكن القول معه أنه لا توجد دولة بالمعنى الحديث في السودان، إنما الذي نشهده هو عصر تحلل الدولة السودانية وصعود كهنوت السياسة الذين يعيشون في عصور غابرة، ولهذا لا بد أن يخرج الانصرافي من اللامكان ليسيطر على الفضاء عبر أجهزة التكنولوجيا التي تتناقض مع العقل الذي نتحدث عنه وهو عقل الكهنوت..و لهذا وضمن معاينة كلية فإن الانصرافي وكتائب البراء والجيش هم حالة واحدة و التي يمكن أن نطلق عليها حالة الانحطاط في الواقع السوداني ليكتمل ذلك بغناء بعض القونات(فنانات الغناء الذي لا يحمل أي مضمون أو معنى)للجيش لتتحول الحالة كلها إلى دائرة السقوط في التيه والعدم وهي الحالة التي أنتجت كل هذه الظواهر والتي وراءها يقف تيار الإسلام السياسي و الذي يحاجج دوما بالباطل..