أطفالنا ومخاطر العالم الرقمي نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الدول الاسكندنافية وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد
أطفالنا ومخاطر العالم الرقمي
نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الدول الاسكندنافية وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد
6/6/2024
إن العالم الرقمي وشبكات الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي إنما وُجدت لإكتساب المعارف والمعلومات وتسهيل سبل الحياة للإنسان على كافة الصعد والمجالات، العلمية والفكرية والسياسية والأدبية والصحية والاجتماعية وغيرها… هذه الشبكات والمنصات المتعددة جعلت من العالم قرية عالمية مفتوحة محفوفة بمخاطر استغلال وسوء استخدام هذه الشبكات التي هي بقدر ما لديها من فوائد، لديها على نفس القدر وحتى أكثر أضرار كبيرة ، بحيث صُوبت وأُستخدمت الكثير من المواقع الألكترونية للفعل الإجرامي بكل تفرعاته، ونشطت العصابات السوداء في ارتكاب الجرائم واصطياد الضحايا، وأولى ضحايا هذه الجرائم هم الأطفال كونهم الفئة الأضعف والأسهل للإستغلال.
إن هذه الوسائل والمواقع الألكترونية التي تُلازمنا على مدار االساعة، بدأت تشكل خطورة كبيرة، تحديدا” على سلامة الأطفال وخصوصيتهم، إذ زادت فرص تعرضهم لمحتويات خطيرة من صور وأفلام اباحية وحالات العنف وخطاب الكراهية والتنمّر والتحرش والإعتداء والجنسي، بحيث أتاحت هذه التقنيات إيجاد قنوات للإتجار بالأطفال وسهولة الوصول إلى ملفاتهم وهوياتهم الشخصية والتي هي غير محمية على هذه المواقع . ناهيك عن أن الطفل يصبح بحالة انطوائية وأكثر عرضة للقلق والاكتئاب والخمول وعدم التركيز واضطرابات النوم، أضافة الضرر الصحي عبر الجلوس لساعات أمام الشاشة من تعب النظر الى التشنجات والصداع وغيرها…..
ومع أن تقنية المعلومات والإتصالات قد سهلت التعاون وتبادل المعارف، إلا أنها من جانب آخر، سهلت أيضا” إنتاج وتوزيع وتبادل المواد الجنسية الصريحة والمحتويات غير القانونية الأخرى التي تستغل الأطفال وتسيء إليهم. وقد فتحت هذه التقنية قنوات ليس فقط للإتجار بالأطفال، بل أيضا” لتجنيدهم في أعمال خطرة بطرق مخلتفة عبر برامج ألعاب الكترونية جاذبة توصل إلى زرع أفكار هدامة في عقول الأطفال، مع ابتكار وسائل جديدة ومتعددة لإخفاء تلك المعاملات عن السلطات القانونية. كما جعلت من السهل على الأطفال الوصول إلى محتوى غير لائق وقد يكون ضارا” ، ولكن الأكثر خطورة، هو وصول الأطفال إلى إنتاج مثل هذا المحتوى بأنفسهم.
إن نسبة الأطفال الذين يستخدمون شبكات الإنترنت عالميا” عالية نسبيا” ، ويُظهر تقرير لمنظمة اليونيسف صدر في 11 كانون الأول/ديسمبر 2017، تحت عنوان (الأطفال في عالم رقمي)، ” أن ثلث مستخدمي الإنترنت في جميع انحاء العالم هم من الأطفال، ولا يتم الحماية إلا للقليل جدا” من مخاطر العالم الرقمي”. “وأن الشباب الذين تترواح أعمارهم (بين 15 إلى 24 سنة)، هم الفئة العمرية الأكثر وصولا للإنترنت، فعلى مستوى العالم، 71% من الشباب موصولون مقابل 48% من مجموع السكان”.
ويعرض التقرير البيانات والتحليلات الحالية حول استخدام الأطفال للإنترنت وتأثير التكنولوجيا الرقمية على رفاهم، ويعرض العواقب المتزايدة حول “الإدمان” الرقمي والتأثير المحتمل لوقت الشاشة على نمو المخ، إضافة إلى أن الإستخدام الخاطىء لشبكات الإنترنت يعرضّهم للعديد من المخاطر والأضرار ، والتي قسمها تقرير اليونيسف إلى ثلاث فئات من المخاطر، وهي: المحتوى والإتصال والسلوك.
1-مخاطر المحتوى : الذي يتضمن أو يشمل الصور الإباحية والعنيفة، ومواد تحتوي على خطاب الكراهية والتمييز العنصري والتنمر، عِدا عن بعض الألعاب التي تروّج لسلوكيات ضارة كإيذاء النفس والإنتحار أو لتجنيد الأطفال في عمليات خطيرة.
2-مخاطر الإتصال: وتتم عبر تواصل الأطفال مع أشخاص مجهولين أو مواقع مجهولة وغير آمنة، حيث يكون الطفل عرضة للتحرش والمضايقات والإبتزاز وغيرها من السلوكيات الخطيرة.
3- مخاطر السلوك: وتتمثل في قيام شخص بالغ بإستغلال الطفل في تقديم محتوى غير لائق، إما بغرض الاتجار بالأطفال، أو بتأثر الطفل نفسه بالمحتوى الذي يُفرض عليه عمدًا أو دون قصد وترجمته في فعل يقوم به، سواء بتقليد المحتوي أو بإنتاج محتوى آخر غير لائق، وتحريض أطفال غيره على العنف أو التنمر والسخرية من أطفال آخرين.
سبل حماية الأطفال من جرائم عصابات الشبكات الإلكترونية
إن مسؤولية حماية الأطفال من جرائم الشبكات الإلكترونية تقع على كاهل الجميع، بما في ذلك الحكومات والأسر والمدارس والمؤسسات الأخرى. والمسؤولية الأهم تقع على عاتق الأهل بالإضافة إلى مسؤولية كبيرة تقع على كاهل القطاع الخاص، وخصوصاً في مجالي التقنية والاتصالات، لتشكيل تأثير التقنية الرقمية على الأطفال، وهي مسؤولية لم تؤخذ بجدية كافية حتى الآن. كما يجب الإستفادة من سلطة القطاع الخاص ونفوذه من أجل الدفع بمعايير أخلاقية تشمل القطاع الخاص بأسره بشأن البيانات والخصوصية، بالإضافة إلى ممارسات أخرى تخدم مصلحة الأطفال وتحميهم أثناء استخدامهم للإنترنت.
إن العديد من الدول وخاصة الغربية المتطورة جدا” في مجال التقنيات الألكترونية والرقمية، وضعت قوانين وبرامج للحماية من اختراق عصابات المواقع الالكترونية لملفات المستخدمين وخاصة الأطفال، منها برامج تساعد في منع الوصول إلى المواقع وتقييد إرسال المعلومات الشخصية عبر الإنترنت، وبرامج مراقبة لنشاط الأطفال وخاصة في المدارس.
ولكن الدور الأهم والأكبر هو للأهل في مراقبة ومتابعة أطفالهم عند جلوسهم أمام الشاشات الإلكترونية، وتعليمهم كيفية السلوك الآمن عبر الإنترنت، والتحدث معهم والشرح لهم بوضوح عن المخاطر الإلكترونية وعواقب سوء استخدامها، والإجابة عن كل أسئلتهم حول هذا الموضوع. فمن الضروري أن يفهم الطفل المخاطر التي تواجهه عند استخدام الشكبات الرقمية . ومن المهم أيضا”، أن يكون الأهل على معرفة ودراية بالعالم الرقمي وسبل استخدام الإنترنت. ولكن الطامة الكبرى هي أن العديد من الأهالي يجهلون استخدام تقنيات الإنترنت ويستعينون في معظم الأحيان بأولادهم.
في المحصلّة، إن العالم الرقمي والإنترنت والوسائل التنكولوجية الحديثة أصبحت ضرورة لم يعد بالإمكان الإستغناء عنها في حياة البشر، للفائدة الكبرى التي تؤمنها في كل مجالات الحياة مع الأخذ بعين الإعتبار بالجوانب السلبية لهذه الوسائل ومخاطرها على البشرية وخاصة الأطفال، والعمل على إيجاد الحلول لمنع استغلال هذه المواقع من قِبل عصابات الشبكات الالكترونية ومحاولة حجبها، وهذا ما تعمل عليه المفوضية الأوروبية التي تسعى دوما” على تحديث التشريعات من أجل زيادة حماية الأطفال من الإعتداء والإستغلال من المواقع الرقمية.