مقالات

معركة الكرامة تُساقط طوفاناً في غزة —أحمد علوش

معركة الكرامة
تُساقط طوفاناً في غزة
أحمد علوش
شكلت معركة الكرامة في 21 آذار 1968 محطة هامة في مسيرة الثورة الفلسطينية، فهذه الحرب غيرت قواعد اللعبة بعد عدة أشهر من هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، فالعدو الذي استطاع احتلال الضفة الغربية وغزة، بالإضافة إلى سيناء والجولان بدأ يؤسس على نتائجها وأصيب بغرور القوة الذي جعله يعتقد أن يستسلم الجميع ويأتوا خاضعين متجاهلاً حقيقة أن هذه الحرب أثبتت فشل الأنظمة وعجز جيوشها عن إنجاز مهمة التحرير، وعززت بالمقابل إيمان الجماهير بقدرة أمتها وبالكفاح الشعبي المسلح أسلوباً للتحرير.
قبل بدء المعركة بساعات قال دايان وزير حرب العدو آنذاك إن فتح كالبيضة في يدي، أستطيع أن أكسرها متى شئت، ووعد المراسلين الأجانب الذين التفاهم في مكتبه في تل أبيب أن يشرب القهوة معهم بعد اثني عشر ساعة في عمان وبالعديد القليل من الرجال الأشداء المؤمنين والسلاح المتواضع واجه الفدائيون آلة الحرب الصهيونية “والجيش الذي لا يقهر” بإسناد من بعض الجيش العربي الاردني وبعد 36 ساعة من القتال الملحمي عاد دايان يتجرع الهزيمة ويقر بالفشل.
لقد أحدثت هذه المعركة تحولاً في مسار الصراع والذين عاشوها ويسترجعون دلالاتها يدركون أهمية ما تحقق، فقد أكدت أن نهج الكفاح المسلح هو الأسلوب الأمثل والوحيد للمواجهة مع العدو واستمرارها وتصاعدها، وإن هذا النهج هو الذي سيؤدي بالضرورة للانتصار الستراتيجي على العدو من يقف معه وخلفه، وأن التراكم الكمي سيحدث ولا شك تحولاً نوعياً لمصلحة أمتنا وقواها الحية الساعية من أجل التحرير، فالثورة الفلسطينية التي حفرت عميقاً في الوجدان الفلسطيني وحظيت بالتفاف الجماهير العربية حولها واحتضانها، انتقل هذه الالتفاف إلى مرحلة الالتحاق بصفوفها في تعبير صادق وأمين ودقيق عن ضمير الأمة مقابل خفافيش الهزيمة الذين بدأوا مسيرة التحلل من قضية فلسطين وتباعاتها، وبرروا هزيمتهم بأن العدو نجح في احتلال الأرض ولم ينجح في إسقاط ما سموه الأنظمة الوطنية وهم بذلك قدموا النظام على الوطن في مسار الاستسلام الذي أوصلهم مع معطيات وظروف أخرى إلى ما هم عليه من ضعف وعجز وخضوع.
وإذا كانت معركة الكرامة قد أسست لصعود متنامي لفعل المقاومة بكل الصيغ والأشكال، ومواجهة كل أشكال التحديات والمهن وأن ينتزع الانتصارات والإنجازات ويعيد قضية فلسطين إلى صدارة القضايا الدولية في مواجهة كل قوى الشر والعدوان، فإن قدرة الشعب العربي الفلسطيني على المطاولة والصمود والمقاومة لا حدود لها، وهي تمتد على مدى قرن ونصف القرن من الزمن منذ التصدي لأول مستعمرة أقيمت على أرض فلسطين (ريشون ليزيون) عام 1881 “وبتاح تكفاه” 1883 مروراً بثورة البراق فالثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فمقاومة العام 1948، فالثورة الفلسطينية المعاصرة، وصولاً إلى الانتفاضة الأولى 1987 والثانية عام 2000 إلى هذا الصمود البطولي والرائع الذي تجسد طيلة السنوات الماضية.
لذا فإن ما يجري في غزة اليوم من مقاومة وفعل بطولي رغم المآسي والجرائم والتجويع وحرب الإبادة، فتح آفاقاً استراتيجية لهزيمة كامل المشروع الصهيوني وتصفيته على هذه الأرض المقدسة، وهذا الفعل المقاوم يسهم فيه الكل الفلسطيني كل حسب قدرته وطاقاته وما يملك من إمكانات، ولو أن هذا الفصيل أو ذاك يتقدم على غيره بسبب ظروف ومعطيات لا مجال للدخول في تفاصيلها إلا أن دم الشهداء الممتد من غزة إلى الضفة الغربية والقدس ولوّنَ بكل أشكال الطيف الفلسطيني لأن الفلسطينيون يلتفون حول الفعل المقاوم وينخرطون فيه مهما تعددت الصيغ والأشكال والمسميات، ومعركة الكرامة التي أسست لعصر الانتصارات تعود بعد كل هذه السنوات تُساقط طوفاناً في غزة لا بد أن يتوسع إلى كامل الأرض الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى