دراسات وأبحاث

حرب المصطلحات التفتيتية للهوية العربية والقضية الفلسطينية (الجزء الاول ) يحيى محمد سيف – اليمن

المنصة الشبابية
انطلاقا من حقيقة ان الشباب هم صناع الحاضر العربي وجوهر قوته وحيويته وهم قادة مستقبله ، فقد تم تأسيس هذه المنصة الشبابية لتكون باباً جديداً من ابواب النشر لمكتب الثقافة والاعلام القومي لتطل على الشباب العربي من خلال مناقشة شؤونه و طرح قضاياه الراهنة و التعبير عن تطلعاته المستقبلية. وهي مخصصة حصرياً لنشر كتابات الشباب وابداعاتهم في المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاعلامية وذلك لتعميق مساهمتهم في الدفاع عن قضايا امتنا العربية وصناعة مستقبلها. كذلك فان المنصة تعنى بمتابعه مايصدر من موضوعات ثقافية واعلاميه وفنية في وسائل الاعلام العربية ودول المهجر والتي لها علاقة بقضايا الشباب في الوطن العربي، وترجمة ونشر ما يخدم منها في مواجهة تحديات الامة وتحقيق نهضتها الحضارية الشاملة .

حرب المصطلحات التفتيتية
للهوية العربية والقضية الفلسطينية
(الجزء الاول )
يحيى محمد سيف – اليمن

🔸مقدمة
عملت قوى الهيمنة الاستعمارية سواء في المرحلة الامبريالية القديمة أو في هذه المرحلة الجديدة التى بدأت فيها القوى القديمة الجديدة تحن إلى ماضيها الاستعماري البغيض وتعمل على إعادة تكريسه بصيغه العدوانية الاحتلالية ومعها الحركة الصهيونية وكيانها المحتل لفلسطين العربية – على فلسفة مشاريعها و تبريرحروبها الإحتلالية للامم والشعوب وإخفاء حقيقة أهدافها وأطماعها غير المشروعة بستار من الكلمات المنمقة والشعارات البراقة التي تشكل في مضامينها النظرية أساساً من أساس الفضيلة التي لا

يستطيع أي إنسان أن يعارضها أو ينافيها، كما استندت في جوهر استراتيجيات حروبها الشاملة العسكرية والثقافية والإعلامية والفكرية والسياسية، على تزوير الوثائق، وقلب الحقائق وتحريف القيم، وتشويه الشخصيات وعلى الكلمات المزدوجة المعنى، والمصطلحات الملتبسة والمفاهيم العائمة والمعومة، بهدف إرباك الشعوب وتخريب المثقفين وخلق سوء فهم وأفكار متضادة حول مضامين تلك المفاهيم و المصطلحات التي عملت مراكز الدراسات والبحوث الأمريكية و الغربية والصهيونية على ابتكارها و الترويج الاستهلاكي الواسع لها عبر وسائلها الخاصة و أجهزتها ألاعلامية والثقافية الضخمة والمتطورة. حيث يتلقفها ويتولى مع الاسف الترويج لها أناس ثقافتهم محدودة ووعيهم غير عميق هنا وهناك. ومن أمثلة تلك الشعارات والمصطلحات البراقة التي عملت القوى الإستعمارية القديمة والجديدة على الترويج لها ككلمة حق يراد بها باطل ، وأثبتت وقائع الأحداث وتفاعلاتها في المحك العملي أن ممارسات تلك القوى كانت ولاتزال لا تمت بصلة إلى المعاني اللغوية الحقيقية والمضامين الأخلاقية لهذه المصطلحات والشعارات. وسوف أشير هنا بإيجاز شديد إلى ابرز الأمثلة على ذلك، فتحت يافطة شعار (من أجل الشعب )، يستغلون الشعوب وينهبون بشكل ممنهج ثرواتها. وتحت يافطة (إعادة الامل ) يغتالون البسمة في شفاه ابناء الشعوب التي وقعت تحت براثن عدوانها واحتلالها ، ويصلبون الفرحة في أعماقهم والأمل في نفوسهم (من أجل إعادة الامل ؟!!). وتحت شعار ( من أجل خيرالشعب ) يحرمون الشعوب التي يحتلونها اوالخاضعة لهيمنتهم من التمتع بخيرات بلدانها ومن ابسط مقومات مقومات الحياة الكريمة ، كما حدث في إفريقيا وتحت يافطة شعار (الوصايا والانتداب ) تحكّموا بإرادة ومصائر الشعوب ومصادرة حريتها و سيادتها واستقلالها بل وتسليم ارض بلدانها لقوى دخيله كماعملت الامبريالية البريطانية بمنح فلسطين العربية للصهاينة الغرباء. وتحت يافطة (تدريب الشعوب على حكم نفسها) عملواعلى إغتيال كل عوامل اليقضة المنبعثة في أعماق الشعوب المحتلة وسعوا بشتى الوسائل إلى طمس هوياتها الوطنية وتنميطها.

وتحت شعار ( التحرير ) انتهكوا سيادة واستقلال الدول ، واسقطوا أنظمتها الوطنية الشرعية ، وقتلوا اهلها ودمروا وخربوا كل مابنته تلك الشعوب (المراد تحريرها ؟!!) بعرقهم وجهدهم من مكاسب وإنجازات استراتيجية وبنى تحتية ومرافق خدمية ولم يكتفوا بذلك بل عملوا بالقوة الطاغية على احتلالها وربطها بعجلة التبعية لسلطان جبروتها على النحو الذي عملته الإدارة الصهيو أمريكية في العراق . وتحت شعار ( الشرعية الدولية ) سحقوا كل المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، وكل القيم الأخلاقية والشرائع السماوية بجنازير دبباتهم وصواريخ طائراتهم وبوارجهم الحربية الغازية .

وتحت يافطة ( حقوق الإنسان ) ارتكبوا ومازالوا يرتكبون ابشع جرائم الحرب بحق الإنسانية، التي يندى لها جبين البشرية وماحدث في العراق وماحدث ويحدث حاليا في فلسطين من مجازر وجرائم وحرب إبادة شاملة وخصوصا في قطاع غزة يعد من اصدق الامثلة.

نكتفي بهذه الامثلة الموجزة لان ما يهمنا هنا في هذه الدراسة هو الوقوف بشكل أساسي أمام بعض المصطلحات السياسية التي تمثل عناوين لمشاريع امبريالية صهيونية تهدف إلى تفتيت هويتنا القومية وطمس قضية أمتنا المركزية ، القضية الفلسطينية، نظراً لخطورة الأهداف التي تنطوي عليها من جهة ونظراً لإنطلائها من جهة أخرى ليس على محدودي الثقافة وحسب، بل حتى على بعض السياسيين والادباء والصحفيين والقائمين على الأجهزة والوسائل الإعلامية العربية الذين يعملون على تلقف هذه المصطلحات والاسهام بوعي أو بدون وعي في عملية الترويج لها .. ومنها مصطلحات ( الشرق الأوسط ) و(الشرق الأوسط الجديد ) و(الشرق الاوسط الكبير ) و( صفقة القرن ) و( السوق والشرق أوسطية ) و (قضية الشرق الأوسط ) و( الصراع في الشرق الأوسط ) و( السلام في الشرق الأوسط ) ومصطلح ( الأرض المحتلة ) و( الدولة العبرية ) و ( والشريك الإسرائيلي) و( اسرئيل وجيرانها و(التطبيع ) و(التسوية ) و(السلام المسلح) و ( سلام

الشجعان ) و(الاستيعاب ) و (شمال افريقيا ) و ( المنطقة)، وغيرها من المصطلحات الملتبسة والمشوشة المعنى التي يتم الترويج لها. ومن منطلق مسؤلياتنا الوطنية والقومية التي تفرض علينا جميعا كعرب، سياسيين ومثقفين، وصحفيين وخصوصاً القائمين على وسائل الأعلام المرئية والمقروءة وتحديداً في هذه المرحلة الحساسة والحرجة، أن نتعامل مع الافكار والمفاهيم المشوشة والعائمة والمصطلحات الملتمسة والمزوجة المعنى التي تسوقها المصادر الإعلامية والثقافية الغربية، تعاملاً واعياً ورزيناً وراشداً يضع في حسابه اخضاعها اولا للنقد والتحليل والتصويب وتحديد معانيها لغوياً، ومعرفة الدوافع والأهداف السرية التي تنطوي عليها قبل استخدامها، والابتعاد عن أي تقليد أخرس في عملية الترويج لها، كما هو الحال حالياً لدى بعض المثقفين والسياسيين والإعلاميين الناشرين و والمحررين العاملين في الوسائل والأجهزة الإعلامية وبالأخص منها الفضائيات العربية ووسائل التواصل الإعلامية الاخرى، وعدم النظر إليها بتحسب وحذر او كتقليعات سياسية، هذا إذا ما افترضنا حسن النية ، مما يجعل مستخدمها يساهم في خلق سوء فهم وأفكار مضادة و الوقوع في شباك وشراك القوى المعادية والسير بلا وعي في ركاب التبعية لها، وخدمة وتعزيز أهدافها ومصالحها والوقوف في خندق واحد معها ضد هويتنا و ثوابتنا وأهدافنا وقضايانا ومصالحنا الوطنية والقومية. ( ١)

وفيما يلي موجزا لهذه المصطلحات بهدف تعريفها وكشف وتعرية المشاريع الخطيرة و الأهداف الخفية التي تنطوي عليها وما تمثله من مخاطر على هويتنا الثقافية القومية والوطنية في حاضرنا ومستقبل أجيالنا:

الشرق الاوسط واخواتها

عندما بدأ دهاقنة الإستعمار الأوروبي يضعون الخطط لتقاسم مناطق النفوذ في آسيا وإفريقيا خططوا لتفكيك هذه البلدان وإعادة تركيبها جغرافياً لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها، وأوجدت دول أوروبا الإستعماية مصطلحات (الشرق الاقصى ) و (الشرق الأدنى ) و (الشرق الأوسط) وذلك

إنطلاقاً من قرب أو بعد هذه المناطق عن أوروبا فأطلقوا على المناطق البعيدة عن أوروبا والممتدة من الهند غرباً (بالشرق الأقصى ) وعلى المناطق القريبة من شرق البحر المتوسط (الشرق الأدنى)، وأصبحت المنطقة التي تتوسط الشرقين الأدنى والأقصى تعرف بأسم منطقة (الشرق الأوسط) ولكنهم أختلفوا حول تعيين حدودها.

🔸 الشرق الاقصى

الظهور والدوافع :
بدأهذا المصطلح بالظهور في منتصف القرن الثامن عشر إي منذ عام
(1751م) عندما حاولت بريطانيا بناء مركز لها للعبور إلى بقية البلدان الأخرى
الحدود : ويشمل هذا المصطلح شرق أسيا ماعدا كوريا واليابان وبعض الأجزء من الصين ويضم الهند والبلدان المنتشرة في المحيط الهادئ ومناطق واسعة تطل على المحيطين الهندي والهادى .

🔸الشرق الأدني

الحدود: ويمثل البلدان الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط ومنها تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن، ومصر وجزيرة قبرص. وبدأ هذا المصطلح بالإختفاء لصالح مصطلح (الشرق الأوسط ) تدريجياً.
الظهور: ظهر هذا المصطلح في منتصف القرن التاسع عشر (1850) م جراء ضعف الإمبراطورية العثمانية وتصاعد التنافس الإستعماري بين بريطانيا وفرنسا على مناطقها.
🔸الشرق الأوسط

الحدود: برز هذا المصطلح لطمس تسمية الوطن العربي، وتزامن ظهوره مع ظهور الصهيونية كحركة سياسية عالمية منظمة ويشمل منطقة تشكل

امتداد (للشرقين الأدنى والأقصى) وهي أغنى المناطق في العالم بالنفط والمعادن، وتتمتع بمركز استراتيجي هام بين القارات الثلاثة أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتشمل بلدان شبة الجزيرة العربية والعراق، وإيران، وأفغانستان، وعرفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1989م بأنه المنطقة الممتدة من ليبيا غرباً إلى إيران شرقاً، ومن سورية شمالاً إلى اليمن جنوباً، وعرفه آخرون بأنه يضم جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية وإيران، ويضم إليه المتخصصون في الولايات المتحدة، الحبشة، وباكستان وأفغانستان، والدول الإسلامية المستقلة حديثاً في آسيا الوسطى.

ولم تستقر بعد البلدان التي يشملها مصطلح (الشرق الأوسط) إذ يعمل الإستراتيجيون في الدول الامبريالية على توسيعه ليضم البلدان العربية (بأستثناء السودان والصومال والباكستان وجمهورية آسيا الوسطى) (٢). كما جاء تعريف مصطلح (الشرق الأوسط) في موسوعة السياسية أنه (مصطلح غربي كثر استخدامه أبان الحرب العالمية الثانية)، وهو يمثل منطقة جغرافية تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، والعراق، والخليج العربي ، ومصر وتركيا وإيران، وتتوسع لتشمل أفغانستان وقبرص وليبيا أحياناً .. كما أن للمصطلح دلالة على مركزية أوروبا في العالم وهو شرق أوسط بالنسبة لموقعها الجغرافي (٣). وبدأ مصطلح الشرق الأدنى بالإختفاء تدريجياً لصالح مصطلح (الشرق الأوسط).

الدوافع والأهداف: يؤكد الباحثون العرب أن المصطلح سياسي النشأة والإستعمال ولا ينبع من سمات المنطقة السياسية أو الثقافية أو الحضارية أو الجغىافية ، والقصد منه هو تمزيق الوطن العربي بضمه دولاً غير عربية. وفي سبيل الغاء تسمية الوطن العربي وتجاوز حقيقة الامة العربية، يقوم الغرب على زرع التصور بأن المنطقة ما هي إلا عناصر – عرقية مركبة تتألف من خليط من الطوائف والشعوب والقوميات. وهذا يخدم الأهداف التي

يرمي إليها التصور الأمريكي والأوروبي والصهيوني القائمة على رفض مفهوم القومية العربية والوحدة العربية، وإضفاء الشرعية على الكيان الصهيوني (٤) . كما عملت مراكز الأبحاث الصهيونية الأمريكية على استثمار كل ما يحمله هذا المصطلح من لبس وغموض من الناحية اللغوية والجغرافية بهدف شمول العرب مع غيرهم من الطوائف والشعوب والقوميات ليعملوا على استغلال الترويج له كقضية حق يراد به باطل وفق خطة خبيثة بعيدة المدى تهدف إلى تثبيت احلال (الشرق الأوسط) مكان الوطن العربي. وبهذا يحقق الغرب هدفين اساسيين هما : اعاقة وحدة الامة العربية، والثاني جعل دولة الكيان الصهيوني (التي يشكل وجودها نشازاً وسط الامة العربية) ، تبدو كوجود طبيعي بين قوميات واثنيات مختلفة.

وهكذا بدأت الصهيونية تعتمد هذا المصطلح – مصطلح الشرق الأوسط – بديلاً للوطن العربي الواحد والأمة الواحدة وذلك نظراً لأن الوطن العربي ملتقى القارات الثلاث ويشرف على أهم الممرات المائية كقناة السويس ومضيق باب المندب، والخليج العربي وخليج العقبة ومضيق هرمز، ويحتل أكثر من ثلثي احتياط النفط العالمي، حيث تخشى الصهيونية والقوى الاستعمارية من إقامة دولة وحدة عربية قوية وغنية ومسلحة بالثروة النفطية ومجسدة للقومية العربية وكل مقومات وجودها ووحدتها.(٥)

يتبع لطفاً ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى