Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي. عندما سقطت هالة اثرياء طرابلس في القاع ، مع الساعات الاولى لغرق زورق الموت .


01-09-2022
صبيحة يوم الاثنين ٢٢/٨/٢٠٢٢، باشرت الغواصة الهندية المستأجرة من جمعية Aus Relief الاوسترالية عملها في عمق المياه اللبنانية بحثاً عن الزورق الغارق بركابه في ٢٣/٤/٢٠٢٢ ، اي بعد اربعة اشهر تماماً من هذه الحادثة الاليمة التي ادمت قلوب العشرات من العائلات اللبنانية
التي كُتِب عليها الاحزان سواء لدى محاولات الهجرة الى الخارج او الوقوع تحت طاحونة الفقر والعوز والجوع في الداخل ،
ومع ان مهمة الغواصة انتهت دون استكمال ما هو مطلوب اساساً لها وهو انتشال الزورق الغارق والجثامين الراقدة فيه واقتصر عملها على التصوير وتحديد مكان الزورق ، ليس إلا ، الامر الذي فاقم من مخاوف وشكوك اهالي الضحايا واشعل صرخات الاستغاثة باستلام جثث المفقودين وتبريد القلوب بوداعٍ يليق بحرمة الموت ، وللاسف ، وهذا ما يجب ان يستنفر الدولة اللبنانية باجهزتها كافة لوضع حد لمعاناة كل مكلوم فقد عزيزاً عليه داخل هذا الزورق ،
فان ما فاجأ الجميع ، الغياب غير المبرر لاثرياء المدينة عن موقع الحدث ، وكأنه في بلدٍ مجاور لا يعنيهم البتة ، او ان الامر بسيط جداً لا يعني سوى اولياء الدم المهدور على مذابح السلطة الغاشمة وفسادها واستهتارها بحياة مواطنيها وتراها غير المعنية بشؤونهم في البحر كان ذلك ام البر .
حتى الساعة ، ماذا زال السؤال المحيّر هو :
لماذا لم يبادر هؤلاء الاثرياء من مليارديرية طرابلس الى تولّي هذه المهمة واستقدموا غواصةً غير تلك الهندية التي لا تملك من الآلية سوى التصوير وحسب ، فتركوا جثث الغرقى تتحلل لما يقارب الاربعة اشهر من الزمن ، لا يعلم غير الله كم احترقت قلوب آباء وامهات وابناء واخوة واصحاب على مفقودين ، خرجوا في ليلةٍ مقمرة من شهر نيسان هرباً من واقع مجحف وظالم تركه لهم سياسيوا المدينة الممثلين بهؤلاء الاثرياء على مدى العقود السابقة من السنين ،
وماذا لو كان الغرقى ابناء هؤلاء ، فكم من غواصة عالية المؤهلات سيستخدمون بعد دقائق قليلة من حادثة الغرق لا اربعة اشهر وحسب ،
وماذا ايضاً لو دفع هؤلاء من ذكاة اموالهم فقط ليقوموا بهذه المهمة الانسانية في الاسبوع الاخير من شهر رمضان ، وكم كان ثوابهم كبيراً عند ربٍ قدير مع انتهاء شهر العبادات والصوم ،
وكم كانوا ليوفروا على اهالي الضحايا من عذابات وألم ، وكم كانت لتكلفهم هذه العملية ، وجلّ ما كلفت لا تقارن بالنذر القليل القليل من المال الذي عليهم دفعه وهم "الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ "، ويزيد الامر عجباً ان المبلغ الذي تم تجميعه في اوستراليا من اصحاب الايادي البيضاء لم يتجاوز المائتين وخمسين الف دولار ، وهو مبلغ يكاد لا يوازي شيئاً مما يُدفَع من صيانة على يخوت هؤلاء الاثرياء الرابضة على شاطئ المتوسط في موناكو والساحل الايطالي ، وتكاد لا تساوي جزءاً يسيراً من تكاليف النقاهة والاستجمام عليها ،
ومع ذلك لا بد من توجيه التحية الى كل من بادر وساهم في التبرع لتغطية تكاليف هذه العملية وجلُهم من ابناء المدينة المغتربين في اوستراليا الذين اكدوا انتماءهم الاصيل لبلدهم واهاليهم ، فلم تؤثر الهجرة في هذا الانتماء ، وبقي شعورهم عالياً لا يتزحزح ،
ولم يكفروا بالوطن الذي غادروه مجبرين غير مخيّرين ، فيما ثبت ان من ينهش بخيرات البلد وثرواته ، لايملك ذرةً من هذا الانتماء وهو الذي لا يرى وطناً له سوى في الطيارة التي تنتظره في المطار ساعة الشدة ، واليخت الذي يمخر به عباب البحار والحقيبة المملؤة بالمال الحرام .
لا نتجنى ولا نتحامل على اثرياء طرابلس وقد اختبرتهم مدينتهم في اكثر من محطة وموقف ، وكانوا مثالاً للنكث بالوعود والتهرُب من المسؤوليات ، وسيذكر التاريخ حتماً ان المدينة جاعت على ايامهم ، وان الناس لم تفتش على ما تأكله في حاويات القمامة ، الا بسبب سياساتهم وفشلهم في الحكم وفي التمثيل الشعبي على السواء ، وان ما يُدفَع من اموال طائلة على نشاطات ثقافية وفنية لا يستفيد منها سوى الميسورين بينما الغالبية العظمى من ابناء المدينة لا يملكون حتى اجرة النقل للوصول اليها ، والمناطق الشعبية غارقة في العتمة لان ابناءها لا يملكون شروى الاشتراك في المولَدات الكهربائية بعد ان تحول مشروع " نور الفيحاء " نسياً منسياً يخجل صاحبه ان يطل على ابناء مدينته ليصارحهم بما يعيقه وهو اليوم في قمة المسؤولية واذا اراد فعل .
ليست جثامين الشهداء لوحدها ترقد اليوم في زورق ٍعلى عمق مئات الامتار في المياه اللبنانية ،
انما غرقت معهم كل هالة للدولة اللبنانية العاجزة لتلقي معها كرامة اثرياء طرابلس في ذات القاع السحيق ، وهم إن لم ينتخوا لابناء مدينتهم اليوم ، فمتى تتحرك الضمائر !

New Page 1