Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: الدولار ثابت لكن الليرة تنهار


13-01-2022


يسود انطباع شائع عند تناول عن سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار الاميركي بشكل خاص ،بإن الدولار يسجل ارتفاعاً متصاعداً تجاه العملة الوطنية ،بحيث يبدو بأن سعر الدولار هو المتحرك صعوداً او هبوطاً ، فيما لا يؤشر على الليرة هبوطاً او صعوداً. قد يكون ترويج هذا الانطباع مفهوماً او مبرراً عند العامة ،لكنه غير مبرر ان يروج هذا المفهوم لدى الخاصة او الوسائط الاعلامية والتي يفترض بها ان تقارب هذا الموضوع من زاويته العلمية وليس من خلال الانطباع الشعبي المتكون حول هذه الظاهرة .
ان الخاصة ، والمقصود بذلك الذين يدركون عن علم ومعرفة قواعد احتساب اسعار العملات في سوق الصرف والعوامل المؤثرة في تحديد سعر صرف العملة تجاه المعيار الذي يعتمد كمرجعية تحتسب على اساسه اسعار العملات الاخرى، وقعوا في الخطأ الشائع الذي يطرأ حول التبدلات التي تطرأ على سعر صرف الليرة تجاه الدولار الاميركي.

قبل اتفاقية "بريتون وودز" ،وهو الاسم الشائع لمؤتمر النقد الدولي الذي انعقد من 1 الى 22 تموز 1944 في نيوهامشر بالولايات المتحدة الاميركية ، كان الذهب يعتمد كمرجعية لاحتساب سعر العملات والمعادن. لكن بعد ذاك المؤتمر اصبحت العملة الاميركية المرجعية النقدية التي تحتسب على اساسها سائر العملات الاخرى والمعادن والمواد الاولية. ومنذ ذاك التاريخ انزل الذهب عن عرشه ليحل محله الدولار الاميركي الذي تحول من عملة داخلية الى عملة دولية كنتيجة طبيعية لصعود القوة الاميركية وخاصة في المجال الاقتصادي.
ان فرض الدولار الاميركي مرجعية نقدية تحتسب على اساسها اسعار العملات والمعادن والمواد الاولية ،منح اميركا ميزة التحكم بنظام التحويلات المالية في ظل هيمنها على المؤسسة النقدية الاهم وهي صندوق النقد الدولي والذي يهدف بحسب مانص عليه نظامه الاساسي الى استقرار النظام النقدي العالمي ، فيما البنك الدولي يهدف الى محاربة الفقر بتقديم المساعدة للدول ذات الدخل المتوسط والمنخفضة. ومع ان هاتين المؤسستين يفترض ان تعملا بتوجيه من الامم المتحدة الا ان الواقع غير ذلك لان القرار الاميركي هو الذي يتحكم بادائهما.
ومن هنا ، فإن الدولار الاميركي الذي تحتسب بالنسبة اليه اسعار العملات والمعادن والمواد الاولية هو الثابت فيما العملات الاخرى تتحرك صعوداً او هبوطاً بالنظر الى ماتنطوي عليه من عناصر قوة او ضعف.
ان مايجعل اية عملة في العالم تتسم بالقوة في تحديد قيمتها في سوق الصرف والتبادلات هو توفر جملة عناصر ابرزها خمسة .
العنصر الاول ، متانة الوضع الاقتصادي الذي يرتكز على بنية اقتصادية قادرة على تأمين التوزان بين الانتاج والاستهلاك .
العنصر الثاني ، ان تكون العملة الوطنية مغطاة بكمية من النقد الذي يندرج تحت عنوان مايسمى بالعملات الصعبة والمعادن الثمينة وخاصة الذهب ، اي تلك التي يتم تداولها في البورصات الدولية باعتبارها عملات او معادن ثمينة قابلة للتحويل بقدر كبير من الثبات تجاه الدولار الاميركي باعتباره المرجعية النقدية الذي تحتسب على اساسه العملات والمعادن في سوق التداول والتبادل.
العنصر الثالث ، طبيعة النظام الاقتصادي الذي تتوفر فيه شروط المرونة في التحويلات المالية
العنصر الرابع ، الضمانات القانونية التي تمنح الرأسمال الداخلي او الخارجي بيئة آمنة، خاصة بما يتعلق بالسرية المصرفية والتي تشكل عنصراً جاذباً للمودعين من الخارج.
العنصر الخامس ، هو توفر شفافية في الاداء السلطوي للمرفق العام بكل مؤسساته ، والتشدد في تطبيق المساءلة والمحاسبة بحق من يخرق قواعد الانتظام العام وتطبيق الحوكمة في ادارة المرفق الاقتصادي الخاص او المختلط.
اما العناصر المرتبطة بالوضع السياسي فتأثيرها ليس اساسياً في تحديد قيمة العملة الوطنية في سعر الصرف ، لان العوامل العامل الاقتصادي هو الاساس في تحديد سعر الصرف. واذا ماكان للوضع السياسي من تأثير فهو في احسن حالاته لن يتجاوز حدود الهوامش المحدودة. والدليل على ذلك ان لبنان تعرض لهزات سياسية قوية على مدى العقود السابقة الا ان عملته لم تشهد انهياراً كالذي تشهده الان.
وعندما تكون العناصر الخمسة غير قائمة في الواقع الراهن للبنان ، فإنه من الطبيعي جداً ، ان تشهد العملة الوطنية انهياراً في سعر صرفها ،وان لايكون هناك قعر لهبوطها.
من هنا فأن المطلوب هو تصويب التوصيف والتدقيق في استعمال المفردات وذلك بأن يستعمل تعبير مستوى هبوط الليرة بدل صعود الدولار . فالدولار هو ثابت ، فيما الليرة هي التي تنهار.






New Page 1