Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


الكبار لا يموتون


29-12-2021

نبيل الزعبي - لبنان

لخمسة عشر سنة خلت، غادرنا عظيمٌ من عظماء الأمة، واقفاً كالنخيل يأبى الانحناء، وهو يستهزئ بمن دخلوا العراق خلف غبار دبابات الاحتلال، واهمون أنه بموت القائد، يموت العراق في اللحظة التي يلتف فيها الحبل الغليظ حول الرقبة، فيضعف وتخور قواه، ويقدمون مشهديته لأمته وشعبه بالصورة التي يريدونها له أن تكون، فخابوا وخابت أمانيهم.

لثمانية عشر سنة، دخلوا العراق خلف غبار دبابات تحالفٍ عسكري جهنمي قوامه ثلاث وثلاثون دولة حاقدة وكيانٍ غاصب، وترسانة سلاح أميركية لا يضاهيها سلاح، متوهمون بشرق أوسط جديد قادم على أياديهم، وعراقٍ آخر حر ديمقراطي سيبنيه العملاء، ليستفيقوا بعد سنين على هزيمتهم واندحار مشاريعهم ويرحلوا خائبين، فلم يجدوا ما ينتقم لهم من الشعب العراقي سوى العملاء الذين أدخلوهم معهم، وليبدأ معهم أحد أخطر ما مر على العراق العربي من مؤامرات، تحت مسمى العملية السياسية، وتقسيم هذا البلد الشامخ وتفتيته مذهبياً ومناطقياً، كي لا تقوم له قائمة من جديد.



وكما تحولت مشهدية القائد وبالاً عليهم وهو يستهزئ بأصحاب الأقنعة الذين كانوا يعيشون برعب منعهم أن يسفروا عن وجوههم، فيما "المحكوم" يحاكمهم على خوفهم موبخاً الكبير والصغير فيهم مخاطباً ومبتسماً كالمنتصر المتوجه إلى الخلود الأبدي: " هي هاي المرجلة ؟".

كما هو العراق اليوم، ينتفض على العملاء الذين تمادوا في خيانة شعبهم وأغرقوا أنفسهم في مزيجٍ من التخبُط القاتل والخوف المستحكم، فلجأوا إلى الإيراني "يستعمرهم"، وقد قطعوا كل ما يربطهم بالعراقيين من حبل سرّة، وسيلعنهم التاريخ عاجلاً ام آجلاً، وقد اقترب الأجل!

لخمسة عشر سنة، ذكرى النظام الوطني والقومي الذي قاده البعث في العراق لم تزل تتجدد بين العراقيين ، الذين: كم هم يحنِّون اليوم، إلى الدولة و ذلك النظام الذي ما زرع فيهم سوى الكبرياء، ومعه عرفوا معاني الاقتدار على مصاعب العيش، كما على المتربصين بلقمة العيش وغذاء العراقيين، وسيتغلبون على كل لصوص العملية السياسية الذين يقتلون "نسغ" الحياة للعراق اليوم، وتراهم يتقاتلون فيما بينهم على أسبقية مَنْ سيتقدم مَنْ في العمالة والخيانة، ومن سيقدم خيرات وثروات العراق للخارج قبل الآخر، وها هو غضب العراقيين عليهم يتعاظم، وليس العراقي من "ينام" على الضيم، أو يخشى الموت في سبيل الحياة.

لخمسة عشر سنة، تتحول مشهدية القائد والحبل الغليظ الملتف حول عنقه، إلى مناسبةٍ لتعظيم الرجولة وعظمة الاستشهاد، بعد أن أرادوا لها أن تتحولّ إلى يومٍ للحزن والندب فينا، وقد خابوا وتحولت خيبتهم إلى خوفٍ مستحكم يقضّ مضاجعهم، فلم ينفع معهم اجتثاث رفاق البعث، أو شيطنةً فكره وعقيدته العروبية ، وها هو الحزب اليوم في أيدٍ أمينة، عاهدت الشهيد على الوفاء، فمنهم من أُسِر، ومنهم من فضّل الشهادة على الخنوع والاستسلام، ومنهم من ذاق كل مرارات النفي، وبقي يتحدّى الصعاب، وما بدّلوا تبديلا.

إنهم رفاق البعث وجماهيره ، وهم في قمة الإيمان التي تصل إلى حدود اليقين: أن العراق، وبسواعدهم، سيعود إلى حضن أمته حراً عربياً موحداً عاجلاً أم آجلاً، وقد اقترب الصبح، لا فرق ولا تمييز بين عراقي وآخر، تجمعهم المواطنة والوحدة الوطنية ومحاربة الجهل والتخلُف وكل من يستقوي بالخارج على شعبه وبلده وأبناء جلدته، ستعود الساحات تصدح لـ"البعث" وتحيي عقيدته الوحدوية التحررية التي حققت للعراق والعراقيين الامن والامان والرفاهية والازدهار والاهم من ذلك الكرامة والعز، تواكبها في تحيتها تلك ساحات العروبة وأحرار العالم، وسيبتسم الشهيد في عليائه وهو الذي لم تغادره بسمة التفاؤل والحياة في أشد لحظات تحدّي الموت، مدركاً أن الشهداء أحياءُ عند ربهم يُرزَقون، وأن الكبار لا يموتون لأن المجد والخلود لا يليق إلا بهم.

New Page 1