Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


سلام عليك استقلال لبنان يوم تُبعث حيَّا


21-11-2021
في 21/ 11/ 2021 حسن خليل غريب
لقد وُلد استقلال لبنان في العام 1943. ومرحباً بالاستقلال. ولكنه وُلد من رحم أم فرنسية اكتسبت صفاتها الغربية لاحقاً. وحينذاك مات في جيوب التجار، ودُفن في مقابر الالتحاق بالاقتصاد الرأسمالي. وبالتحاقه ذاك، أصبح استقلالاً شكلياً. بحيث كانت أرباح الاستيراد تصب في مصلحة التجار الوطنيين من جهة، ومصلحة المصانع الرأسمالية من جهة أخرى.
عبثاً حاولت القوى الوطنية، الحية حينذاك، تحرير الاستقلال من قيود التبعية الاقتصادية، والانتقال به إلى ضفة الإنتاج، بما في هذا التحويل من فائدة تعود لمصلحة الشعب اللبناني. ولكن جرت السفن بما لا تشتهيه مصلحة الوطن، فقد أغرق في الاستهلاك وأكثر منه. وكانت رياح النفعيين من تجار الاقتصاد وتجار السياسة أقوى من رياح التغيير.
وكانت آخر مرة قُضي فيها على دور الحركة الوطنية عندما وُئِدت آخر تجربة لها بعد الحرب الأهلية، في العام 1975، وسُلمت قيادات الميليشيات الطائفية إدارة الدولة، وشُرعنت في اتفاق الطائف من العام 1989. ومات الاستقلال مرة أخرى ودُفن في زواريب الحركات والأحزاب الطائفية، التي لم تعمِّق مفاهيم التبعية الاقتصادية فحسب، بل عمَّقت أيضاً مفاهيم التبعية السياسية عندما التحقت كل واحدة منها بمحور دولي أو إقليمي. منذ تلك اللحظة تعرَّض الاقتصاد اللبناني، على أيديها، إلى مصادر النهب الداخلي والسمسرات مع الخارج، واستدراج مساعداته بحيث أصبح التسول سمة من سمات هذا الاقتصاد. وحمت كل واحدة منها نفسها بـ(محادل انتخابية) من النفعيين وتجار الدين والناهبين لعائدات الدولة. وبذلك أصبح التغيير الحقيقي الغائب الأكبر المدفون في شركات التجار وخدمهم من السياسيين الذين يحتلون مواقع السلطة من أدنى إلى أعلى.
وفي ظل هذا الواقع كانت فيه جراح الشرائح الشعبية الكبرى تنزف بغزارة، وكلما كانت سفن التغيير تبتعد عن الشاطئ الأمين كانت تزداد غزارة تلك الجراح، ولا تزال تزداد حتى الآن. وتبدو أكثر مأساوية في مناسبة استقلال لبنان التي تحمل الرقم (78).
في هذا الوقت بالذات، نعتبر أن الاستقلال ولد، ولكنه مات. فمتى يُبعث حيَّاً؟
بعد أن وُلد استقلال لبنان من أم فرنسية في العام 1943، وأما الآن فقد وُلد من أكثر من أم، ولما تعددت الأمهات فقد لبنان هويته، وأصبح من واجب اللبنانيين أن يعيدوا له هويته العربية المكلَّلة بأرزته الخضراء. ومن أجل الوصول إلى الهدف، على اللبنانيين أن يكافحوا آفتين أوصلتا استقلال لبنان إلى الموت السريري، وهما:
-جشع الطبقة التجارية: عادة ما يحمل التاجر وطنه في حقيبته، فهو لا يهمه الوطن بمقدار ما يحققه من أرباح فيه. وهويته تحددها قيمة الرأسمال الذي يجنيه. فهذه الطبقة عادة ما تعمل على تكديس الأموال في جيوبها حتى ولو على حساب العدالة والمساواة، حتى لو اقتضى الأمر السطو على حقوق العمال والفقراء.
-وأكاذيب مسرحية حماية الطوائف التي يقودها أمراء الطائفية السياسية، والتي تلعب فيها المؤسسات الدينية التابعة لها دور إغراق الثقافة الشعبية في مفاهيم القناعة لقاء ما يسمح به الأمراء لهم من العيش بكفاف.
-أما بالنسبة لجشع الطبقة التجارية فقد ازداد شبقها للسرقة، ووصلت إلى أبشع صورة لها بعد أن احتكرت كل ما يمت لحياة المواطن بصلة، من دواء وغذاء ومحروقات لرفع أسعارها، ومضاعفة أرباحها. وفي الوقت ذاته راحت أجهزة أحزاب السلطة الحاكمة تشكل لها سُبل الحماية، لأنها مساهم أساسي في الشركات التجارية. وتحت هذا الغطاء، عاث التجار من الكبير إلى الصغير سرقة ونهباً بالتلاعب بتسعير السلع. وازدادت الحالة سوءاًبعد تدهور قيمة العملة اللبنانية، بحيث أصبحت الرواتب المتآكلة عاجزة عن تلبية حاجة أصحابها.
ما كان المواطن ليشعر بوطأة توفير سبل العيش، لو كان منهج التنمية الاقتصادية مطبَّقاً. ففي غياب استراتيجة التنمية الاقتصادية، وسيادة استراتيجية الاستهلاك، لما كان على المواطن وخاصة الطبقة التجارية تحتاج من أجل الاستيراد لتوفير العملات الصعبة. ولأنها خاضعة في الأنظمة ذات المنهج الرأسمالي لقانون العرض والطلب، فإنه كلما ازداد الطلب عليها، كلما ازدادت قيمتها. ولذلك، فما من حل يقود إلى عودة الحياة للاستقلال سوى بضخ الحياة إلى مبدأ الإنتاج الصناعي والزراعي لأنه لا يوفر العملة الصعبة من جراء التصدير فحسب، بل إنه أيضاً يوفر فرص العمل للكتلة البشرية الأوسع في المجتمع.
-وأما عن مسرحية حماية الطوائف فقد ارتكب أمراء الطوائف جريمتين اثنتين، وهما: تدجين أتباع المؤسسات الطائفية السياسية في (مفاهيم القناعة)من جهة، وتدجينهم في مفاهيم (الالتحاق بالخارج) لتوفير الحماية الخارجية لهم من جهة أخرى.
إن من يرضى بما يحصل عليه (المدجَّن طائفياً) له علاقة بـ(مفهوم القناعة) السائد في الثقافة الشعبية، وهو بدوره يستند إلى ثقافة التواكل، وهذا ما يظهر بارزاً بالأمثال الشعبية التالية: (القناعة كنز لا يفنى). أو المثل القائل: (فلاح مكفي، سلطان مخفي)، أو الدعوة إلى الصبر عندما يتعرَّض الإنسان إلى (شيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات)، أو (اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا و خطايانا)، فهي الأخطر على الإطلاق لأن مردديها يحمِّلون فيها المسؤولية لله، وليس إلى تجار السياسة والاقتصاد والدين، .
وعن أبعاد تلك الأمثلة الشائعة، التي تشكل ثقافة شعبية واسعة، يقول المفكر الفرنسي إتييان دو لا بواسييه في كتابه (العبودية الطوعية): (عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ
أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد. ويظهر فيه ما يمكن ان نسميه (المواطن المستقر). وهو الذي تنحصر اهتماماته بثلاثة أشياء: (الدين، ولقمة العيش، وكرة القدم).
ولهذا لا يُلام الديكتاتور في ممارسته سياسة القمع السلطوي، أو القمع المعنوي، لأن الشعب الذي يخضع لحكمه كان قد تدجَّن بثقافة الاستسلام، وقيل فيه (اليد التي لا تستطيع عضَّها، فقبِّلها وأدع عليها بالكسر). ولذلك اقتنع بنمط الحياة التقليدية، وهي عدم الحاجة للحرية، فلذلك حصر اهتمامه فقط بـ(قشور الدين من طقوس وعبادات، ولقمة العيش، ووسائل إملاء فراغ الوقت). وهو إذ يتلهى بها، فإنما يفقد النزعة الإنسانية في التغيير.
عن مجتمع مثل هذا، قيل: (إذا خُيِّرت بين تغيير النظام الديكتاتوري وهكذا شعب، فإني أختار تغيير الشعب). ويعزو القائل السبب إلى أن الشعب هو الذي يختار الديكتاتور، أو يخضع لسلطته من دون تأفف. وإذا غيرت الديكتاتور من دون تغيير ثقافة الخنوع الشعبية، فإن هذا الشعب سيختار ديكتاتورية أخرى. وأعتقد أن من قال هذا، إنما قصد من ورائه، ليس اقتلاع شعب من الوجود، بل يقصد اقتلاع الثقافة الشعبية من تفكيره، تلك الثقافة التي تدعو إلى الاستسلام والخنوع والرضى والتسليم. ويتم ذلك بتغيير نمط الثقافة الشعبية السائدة.
أما الآن، وبعد أن طفح الكيل، نلاحظ أن الوعي الوطني الشعبي يتعمَّق وبدأ يُسقط أكاذيب (حماة الطوائف) بعد الكشف عن فسادهم. وراحت أوراق الذين يربطون كرامة الطوائف بهم تنكشف واحدة تلو الأخر، فأصبحوا الآن عراة حتى من آخر ورقة من التوت. كما كشف هزال الذين ربطوا حماية الطائفة وكرامتها بمرجعياتها الخارجية، فظهروا أمام الشعب بصورة أوراق لعبة البوكر، التي تعني أن تلك المرجعيات تراهن بها لسرقة ثروات الوطن ومصادرة قراره السيادي.
وأخيراً، ولكل هذا، فلا تنتظرنَّ أيها الاستقلال الذي تحمل هذا العام الرقم (78)، أن تُبعَث حياً، إذا لم يستطع الشعب إرغام أحزاب السلطة الحاكمة لتوفير شروط الإنتاج الاقتصادي والمعرفي.
وإذا عجز عن ذلك اليوم، فسوف يستطيع غداً، أو بعد غدٍ، أو ما بعد بعده. وعلى الشعب أن لا يرضى بأقل من اقتلاع مناهج (ديكتاتورية تجار السياسة والاقتصاد والدين)، وكذلك اقتلاع مناهج (ديكتاتورية أمراء الطوائف) المحمية بمؤسساتها الروحية، وبقواعد الثقافة الشعبية التي تمَّ تدجينها بما يتناسب مع مصالح أولئك الأمراء. وبين الاقتلاعين سيصبح طلب الحماية من الخارج، مشبوهاً ومُداناً عند الجماهير الشعبية الواسعة التي كشفت أكاذيب أمرائها من رجال سياسة ودين، بعد أن عاث الداخل والخارج فساداً وسرقة ونهباً وتدجيناً ثقافياً.
وبالانتظار والصبر الطويل، نحن على يقين بأن هذا ليس ببعيد طالما أن الخطوة الأولى على طريق التغيير أعلنتها الجماهير الشعبية في 17 تشرين. وإلى ذلك الحين، فلا سلام عليك يا استقلال لبنان الثامن والسبعين، لأنك لا تزال في عداد الأموات. وألف سلام عليك يوم يبعثك الشعب اللبناني حياً على أيدي أبناء الاستقلال الحقيقي من شباب تشرين وشاباته.

New Page 1