Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: من الإدارة الفاشلة الى الفوضى الشاملة


11-11-2021



لم يكن ينقص المشهد السياسي اللبناني حتى يتحول البلد الى ما يشبه "العصفورية"، سوى هذا الذي شهدته وما زالت أروقة قصر العدل من تجاذبات ومساجلات خرجت عي سياقاتها القضائية والقانونية، لتقع في مطب التجاذب السياسي حول ملف تستميت أكثرية أطراف السلطة في طي صفحته وختمه بمطالعة بقرار يكون بوقائعه وأسانيده القانونية متمحوراً حول إهمال وظيفي تنحصر المساءلة والمحاسبة فيه بالعاملين في حرم المرفأ من إداريين أو أمنيين ينفذون أوامر سلطوية في اطار التراتب الوظيفي.
إن "الكباش" القانوني والقضائي حول سياقات التحقيق يهدف الى التعتيم على الوقائع ذات الصلة بالبعد السياسي لكل المقدمات التي سبقت تفجير المرفأ. ولهذا حيل منذ البدء إجراء تحقيق دولي بالجريمة، وعندما وضع القضاء اللبناني يده على الملف عبر إحالته الى المجلس العدلي ارتفعت في وجهه السواتر، تارة تحت عنوان تجاوز الحصانات الدستورية والقانونية والوظيفية والمهنية ، وتارة تحت عنوان "الارتياب المشروع"، واللجوء الى تقديم مراجعات الرد والرد المضاد حتى اصبح الوضع في حالة "حيص بيص" نظراً لتداخل المؤثرات التي تطبق على الملف وكل المعنيين به.
إن الشاشات التي تعج بالمنظرين الذين يقدمون انفسهم أو يُقَدَمون كخبراء " استراتيجيين" في العلوم العسكرية أو السياسية حسبما هي طبيعة القضية موضوع المقاربة، تعج اليوم بالذين يدلون بآرائهم في المقاربة الدستورية والقانونية والقضائية للملف. وفي الوقوف على هذه الآراء يتبين أن الإسقاطات السياسية تسقط على المقاربات الدستورية والقانونية والقضائية، وقليل جداً يقاربه من خلال بعده القضائي المحض بعيداً عن الإسقاطات السياسية. وقد وصل الأمر بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي لأن يربط تنفيذ مذكرة تبليغ بتفسير المادة ٤٠ من الدستور. وهذا بطبيعة الحال يخرج عن اختصاصه، لكن إذا كان الكل يتصرف بشكل يخالف الدستور والقانون والإجراءات القضائية التي حدد القانون سبلاً للطعن بها أمام المرجع المختص، فعندئذً يمكن لأي شخص في موقع مسؤول أو غير مسؤول أن يقول "شو وقفت عليّ".
مما لاشك فيه أن الاشتباك المحتدم حول ملف تفجير المرفأ ،والذي بدأ يخرج عن سياقاته القانونية والقضائية ليدخل في اطار الاشتباك السياسي، سوف يعطل إجراءات السير في هذا الملف دون أن يصل الى مآلاته في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإنصاف ذوي الضحايا وكل المتضررين من هذه الجريمة التي لم تقتصر تداعيتها على آثارها المادية والاقتصادية وحسب بل طالت البنية الوطنية برمتها.
وان تعم الفوضى الدستورية والقانونية والقضائية في مقاربة هذا الملف، فهذا ليس إلا وجهاً من أوجه الفوضى الشاملة التي تخيم على الوضع اللبناني برمته. فكما الوضع السياسي يشوبه الارتباك من خلال تجاذبات المواقف حول قضية من هنا وتصريح من هناك، ويعم الاضطراب الواقع الاقتصادي بانعكاساته المعيشية الحادة بعد الانهيار الذي أصاب أقانيم الاقتصاد الوطني وتفلت سعر صرف العملة الوطنية الذي بات دون قعر يرسو عليه، وبعد الفوضى في التشريع الذي يتخبط في عشوائية تتجاذبها الشعبوية تارة مع قرب الاستحقاق الانتخابية وهو غير محسوم إن كان سيتم في موعده الدستوري أم لا، بعد كل هذا الاضطراب في الأداء الذي تشهده المؤسسات ذات الصلة بإدارة المرفق العام التشريعي والتنفيذي والأمني والإداري، ليس مستغرباً أن يكون المرفق القضائي في احسن حالاته وانتظام عمله، وهو الذي لم يكن يوماً بعيداً عن التأثيرات السياسية عليه رغم النص الدستوري الذي يعتبر المرفق القضائي سلطة مستقلة عملاً بمبدأ الفصل بين السلطات.
هذا المبدأ لم يتم التقيد به ولا احترمت روحيته، بل بقي مبدأً نظرياً، لان السلطة السياسية تستحوذ على مفاتيح التأثير عليه من خلال التعيينات في المفاصل الأساسية فيه بقرار سلطوي وفي التحكم بالتشكيلات القضائية وإشراف وزارة العدل على النيابات العامة كسلطة ملاحقة. ولهذا لم يقر قانون استقلالية السلطة القضائية ولم يتم إنشاء مفرزة خاصة بالتبليغات القضائية تكون مرتبطة مباشرة بالمرجعية القضائية.
هذا المناخ الذي يخيم على عمل المرفق القضائي من تعطيل لعمله بالمماحكات القانونية من جهة، والإضرابات من ناحية ثانية، سواء التي قام بها القضاة أو المساعدين القضائيين أو نقابة المحامين وكل لشأن خاص به، أوقع هذا المرفق في حال من الفوضى وباتت العدالة ليست في وضع يحسد عليه.
إن هذه الفوضى التي تسود عمل القضاء أكملت حلقة الفوضى الشاملة التي تخيم على كافة القطاعات. وهذا لم يأت من فراغ، بل أتى من ثلاثة عوامل.
العامل الأول، ضعف بنية الدولة وعدم تمكنها من القيام بدورها كدولة رعاية وحماية لمواطنيها وهشاشية إمساكها بناصية الأمن الشرعي.
العامل الثاني، طبيعة النظام السياسي الذي تدير مرفقه العام منظومة سلطوية على قاعدة المحاصصة والزبائية ومنها إدارة المرفق القضائي.
العامل الثالث، التثقيل السياسي والأمني والاقتصادي الذي تنوء تحته الساحة اللبنانية والتي باتت ساحة تدار من خلالها مشاريع لقوى إقليمية ودولية لا يقوى لبنان على تحمل أثقالها وهي توظف بنتائجها لمصالح المشاريع الإقليمية والدولية المتقابلة والتي باتت لبنان إحدى ساحات التصادم بين استراتيجيات أصحاب هذه المشاريع.
من هنا فإن إعادة الانتظام لسير المرفق العام ومنها المرفق القضائي لن تستقيم إلا بإزالة العوامل التي أوصلت البلد الى هذا المستوى من الانهيار وتالياً من الفوضى. بدءا باستعادة الدولة لحضورها ووظيفتها الأساسية، وإقامة نظام المواطنة كبديل عن نظام المحاصصة والزبائنية وانتهاء بإنهاء كل أشكال التثقيل الإقليمي والدولي بكل عناوينه للساحة اللبنانية ، وبدون ذلك عبثاً الحديث عن حل للازمة السياسية بكل انعكاساتها وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية ، وعبثاً الحديث عن عدالة في قضية تفجير المرفأ كما في كل الجرائم التي تستبطن أهدافاً سياسية وراء ارتكابها.
إن الفوضى القضائية ليست صاعقة في سماء صافية بل هي مشهد من مشاهد الفوضى الشاملة .

New Page 1