Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: انتخابات العاشر من تشرين والتحوّلات المستقبليّة في العراق


13-10-2021
ألكسوف ظاهرة طبيعيّة تُحجَب خلالها أشعّة الشمس لإصطفاف القمر بينها وبين الأرض، والخسوف ظاهرة أخرى تحجب انعكاسات الضوء من سطح القمر لإصطفاف الأرض بينه وبين الشمس، لكنّ الظاهرتين لا تلغيان حقيقة وجود الشمس والقمر.
في العراق حاولت الولايات المتحدة الأميركيّة التوّاقة إلى تكريس أحاديّتها القطبيّة بحربها العدوانيّة والخارجة على القانون الدولي على رأس تحالف دولي عام 2003، والتي شُنّت بأعذار ثبت بطلانها محو العراق شعبا" موحّداً وتاريخا" زاهراً بالأبعاد الحضاريّة، كما حاول النظام الإيراني الثيوقراطي تكريس مشروعه التوسعي العدواني بإلغاء هويّة العراق واعتباره جزءاً من الفضاء الإمبراطوري الفارسي. وبين الإصطفافين الأميركي والإيراني أجبر العراق عبر مقاومته الوطنيّة، التي يحاول من أوصلهم الإحتلال إلى السيطرة على مقدّراته سرقة تضحياتها من خلال القيام ببعض العمليّات العسكريّة المدروسة في المكان والزمان للإستثمار السياسي في المعادلة الداخليّة ولخدمة الأجندة الإيرانيّة خاصّةً بما له علاقة بالعلاقات الأميركيّة الإيرانيّة، قوّات الإحتلال على بدء الإنسحاب منذ عام 2011، وزعزع أركان التغوّل الإيراني استناداً إلى حقائق على الأرض كان آخرها ما أفرزته الإنتخابات المبكّرة في العاشر من الشهر الحالي أبرزها: أنّ غالبيّة الشعب العراقي {أكثر من 60/100} ترفض العمليّة السياسيّة ليس فقط لأنّ الإحتلال هو من أسّسها وإنّما كذلك بسبب الفساد المستشري في مفاصلها الذي يتجلّى ـ من بين جوانب متعدّدة ـ في تدنّي مستوى الخدمات الأساسيّة، ونهب المال العام وتهريبه للخارج، وارتفاع معدّل البطالة والأميّة، وانتهاكات حقوق الإنسان من خلال نسبة التصويت المنخفضة والتي بلغت 41ِ/100 استناداً إلى ما أعلنته مفوضيّة الإنتخابات والتي بنيت على أساس عدد المقترعين {حوالي 9 ملايين} إلى عدد المسجّلين في لوائح الإنتخاب {حوالي 22 مليون}، في حين أن النسبة لا تتعدّى 34/100 استناداً إلى عدد من يحقّ لهم الإنتخاب ممّن هم فوق سنّ 18 سنة والبالغ 26.6 مليون، ممّا يشير كذلك إلى انتفاء العدالة في العمليّة الإنتخابيّة بحرمان حوالي 4.4 مليون مواطن من التعبير عن رأيهم مقاطعةّ أو انتخاباً. حتّى أنّ أحد أعضاء فريق المراقبة الدولي أفاد على محطّة روسيا العربيّة {RT} أنّ نسبة التصويت كانت بحدود 12/100 فقط. من جهة أخرى، بيّنت النتائج هزيمة مدويّة لكتلة ميليشيات "الحشد الشعبي" المنضوية تحت مسمّى "تحالف الفتح"، حيث حصلت على 14 مقعداً من أصل 329 أي حوالي 4/100 من أعضاء مجلس النوّاب مقارنةً مع حصولها على 47 مقعداً في انتخابات 2018. ورغم أنّ معظم مجموعات إنتفاضة تشرين قد قاطعوا الإنتخابات تعبيراً عن رفضهم الكلّي للوضع القائم فإنّ المجموعات التي شاركت حصلت على حوالي 20 مقعداً رغم افتقارها للنفوذ والإمكانيّات الماليّة واللّوجستيّة التي تتمتّع بها الكتل المشاركة في السلطة.
عندما استشعر الوصي الإيراني هزيمة أتباعه أوفد قائد "فيلق القدس؟" التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاءاني على وجه السرعة إلى بغداد لتدارك الأمر، وطرح إملاءاته على عملائه لإمتصاص تداعيات النتائج ليس حرصا" عليهم وإنّما على نفوذ نظامه، حيث ظهر ذلك من خلال بدء رموز "الحشد الشعبي" الترويج إلى وجود تزوير في العمليّة الإنتخابيّة رغم الرقابة الدوليّة والعربيّة والمحليّة، ودعوة عناصره في التشكيلات المسلّحة إلى الإلتحاق بمراكزهم مهدّدين إيّاهم بالفصل إذا رفضوا ذلك، ودون العودة إلى القائد العام للقوّات المسلّحة {رئيس الوزراء} ، حيث أنّه من المفروض أن تخضع تلك الميليشيات إإلى سلطته. كلّ ذلك يشير إلى الرعب الذي اعتراهم من انفراط عقدهم وانتقال مؤيّديهم المغرّر بهم إلى مواقع أخرى، وكذلك للقيام بأعمال أمنيّة تخريبيّة تزعزع الأوضاع وتعيد خلط الإوراق.
وما يلفت النظر اعتبار أحد الكتّاب المرموقين والمغرمين بالديموقراطيّة ـ كيفما كانت ـ " أنّه بالإنتخابات بدأت المصالحة العميقة بين الناس وتعويدها على إبداء أفكارها والتعبير عن موقفها من دون متفجّرات وحروب وسجون سحيقة..." ناسياً أو أنّه لا يعلم أنّ حاكم العراق بعد الإحتلال "بول بريمر" كان قد أصدر قرارا باجتثاث البعث العابر للمناطق والمكوّنات المجتمعيّة، خارج أيّ سياق قانونيّ، وحلّ الجيش الوطني العراقي لتعبث لاحقاً قوى الأمر الواقع غير النظاميّة بأمن البلاد والعباد، وأن قانون إرهاب 4 والمخبر السرّي يحجبان الحقوق المدنيّة عن شرائح واسعة من الشعب، وتبيح للسلطات الأمنيّة اعتقال أيّ شخص استناداً إلى الشّبهة أو إلى تقرير مخبر سريّ حاقد أو إنتهازي، وأنّ سجني أبو غريب قرب بغداد، والحوت في الناصريّة أصبحا مثالاً لإنتهاكات حقوق الإنسان والساديّة البشريّة القذرة، وأنّ ملايين العراقيّين لا يزالون مبعدين ومهجّرين في داخل وخارج العراق، ولا يستطيعون العودة إلى ديارهم بعد سيطرة الميليشيات عليها وتحويل معظمها إلى مناطق مغلقة لتنفيذ ارتكاباتهم غير القانونيّة، أو عدم تاهيل بعضها الآخر لتصبح مقبولة للعيش، وأنّ آلاف المفقودين والمغيّبين قسراً لا يزال مصيرهم مجهولاً، وأنّ قتلة المئات من ناشطي انتفاضة تشرين لم يتمّ القبض عليهم ومحاكمتهم على جرائمهم.
كما أنّ الكسوف والخسوف يحجبان ضوء الشمس والقمر دقائق معدودات ويعودان بعدها للإشعاع أبد الدهر فإنّ الشعب العراقي بثبات مناضليه الوطنيّين القابضين على الجمر، وبانتفاضة شبابه التوّاق إلى الحريّة والتقدّم سيكنسون الإحتلالين الأميركي والإيراني وإفرازاتهما الداخليّة ليعود العراق إلى بهائه وحقيقته الناصعة والمتراكمة حضاريّاً عبر التاريخ لتصحيح ما خرّبه أعداء الخارج متعدّدي المشارب وعملاء وانتهازيّي الداخل، واستعادة دوره الفاعل والبنّاء في محيطه العربي وفي العالم

New Page 1