Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: السودان واستحقاق تسليم رئاسة المجلس السيادي


05-10-2021
عندما تشكل المجلس السيادي في السودان لإدارة شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية، إنما تشكل من مكونين، المكون المدني المتمثل بتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، والمكون العسكري الذي خرج من رحم نظام البشير ولاقى أهداف ثورة ديسمبر في منتصف الطريق، لتشكيل سلطة جديدة تتولى حكم السودان استناداً إلى وثيقة دستورية حددت بموجبها آلية تقاسم السلطة بين المكونين، وتحديد الفترة الزمنية لتشكيل المؤسسات الدستورية ومنها المجلس التشريعي.
لقد تم الاتفاق على تداول رئاسة المجلس الدستوري بين المكونين، بحيث تكون الرئاسة في الفترة الأولى من نصيب المكون العسكري، وتكون الفترة الثانية من نصيب المكون المدني، وعلى أن يكون الانتقال سلساً ووفق ما تم الاتفاق عليه وتوثيقه. ومن المقرر أن تنتهي فترة رئاسة المكون العسكري لرئاسة المجلس السيادي في تشرين الثاني من هذا العام، ومعها تنتقل الرئاسة إلى المكون المدني الشريك في السلطة.
ومن يراقب تطورات الوضع في السودان يتوقف عند حالتين. الأولى تفرد رئاسة المجلس السيادي في فترة رئاسة المكون العسكري باتخاذ قرارات سياسية تتعلق بالخيارات الوطنية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر عقد لقاءات مع مسؤولين صهاينة كانت باكورتها العلنية اللقاء بين رئيس المجلس السيادي الفريق عبد الفتاح برهان في أوغندا مع رئيس وزراء العدو الأسبق بنيامين نتنياهو، ومن ثم حصول لقاءات على مستويات أدني بقصد تطبيع العلاقات. هذه الخطوات فاجأت المكون المدني الشريك في السلطة، مسجلاً اعتراضه ورفضه لهذه الخطوات التي أقدم عليها فريق سلطوي لا يملك تفويضاً سياسياً ولا صلاحيات لاتخاذ قرارات تتعلق بالمصلحة الوطنية العليا، وهذه القرارات التي تتعلق بالسيادة والأمن الوطنيين واستطراداً بالأمن القومي لا تقرر بشأنه سلطة تدير مرحلة انتقالية، وتبقى منقوصة الشرعية الدستورية طالما لم تستكمل عملية تشكيل المؤسسات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية ومن ثم طرح الموضوع على الشعب ليقرر بشأنه باعتباره مصدر السيادة.
هذه الإشكالية في العلاقات بين المكونين العسكري أو إلى الأقل بعض رموزه، والمكون المدني التي برزت في الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية، ارتفعت وتيرة تفاعلاتها مع قرب انتهاء فترة رئاسة المكون العسكري، وبدأت التوترات تشوب العلاقات بين الطرفين حتى وصلت إلى تقاذف المسؤولية عن التأخير في استكمال المؤسسات الدستورية، وكان أشدها حدة، الحملة التحريضية التي بدأها رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان ونائبه حميدتي دقلو وهو قائد ما يسمى بقوة الدعم السريع، ضد المكون المدني.
قبل حلول الاستحقاق بتسليم رئاسة المجلس السيادي للمكون المدني المتمثل بقوى إعلان الحرية والتغيير، بدأ السودان يشهد جملة توترات كان أبرزها الإعلان عن محاولة انقلابية، ومن ثم الإعلان عن كشف خلايا لداعش والاشتباك معها، وما بين الحدثين محاولة من بعض رموز المكون العسكري وخاصة رئيسه ونائبه بممارسة ضغط على المكون المدني، بدأت مؤشراته من خلال سحب الحراسات عن مقر لجنة تفكيك مؤسسات النظام السابق والتي من خلالها عشش الفساد في بنية الدولة. وإضافة لذلك عمد المكون العسكري إلى محاولة خلق تناقضات بين أطراف المكون المدني وسعيه إبراز بدائل بقصد استعمالها واجهة مدنية للمكون العسكري حتى إذا ما رضخ للضغط الدولي بتسليم رئاسة المجلس السيادي إلى المدنيين، وبذلك تصبح هذه الواجهة أداة بيد العسكر الذي يبقى ممسكاً بمفاصل السلطة والقرار، تعلق الأمر بالشأن الداخلي أو بالعلاقات مع الخارج.
في ضوء هذه التطورات المتسارعة، ليس مستبعداً أن تكون فلول النظام السابق قد حركت خلاياها النائمة للعودة إلى المشهد السياسي على أبواب تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية ووصول لجنة تفكيك مؤسسات النظام السابق إلى مرحلة متقدمة في إنجاز مهمتها وكشف خبايا الفساد في الدولة العميقة وبالتالي تحويل رموز الفساد إلى العدالة لتطبيق أحكام العدالة الانتقالية. إن هذا الاحتمال هو احتمال قائم وشديد، خاصة في لحظة توتر العلاقات بين أطراف مكوني السلطة، لكن مع قوة هذا الاحتمال، فإن احتمال افتعال بعض رموز المكون العسكري لمشاكل أمنية وتوترات ينظر إليها بأنها تشكل تهديداً للسلم الأهلي، هو احتمال قوي أيضاً لإيجاد مناخات تعطل انتقال رئاسة المجلس السيادي إلى المكون المدني. وبهذا يكون المكون العسكري قد أدار انقلاباً من الباطن للانقضاض إلى ما تم الاتفاق عليه ووثق في الوثيقة الدستورية.
إن المكون العسكري ليس بريئاً مما يشهده السودان من توترات عسكرية وأمنية وسياسية، لأنه لا يريد تسليم الموقع الأول في السلطة للمكون المدني، وهذا ما يجب أن يكون واضحاً أمام جماهير السودان حيث لا خيار أمامها للالتزام بالوثيقة الدستورية التي تضبط إيقاع المرحلة الانتقالية إلا العودة إلى الشارع واستعادة نبضه، وحراك الشارع السوداني ليس بعيداً عن هذا الخيار بعد استمراء العسكر طعم السلطة.

New Page 1