Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: عندما يصبح رفع الدعم مطلباً شعبياً!!


06-09-2021



ما كان احد يعتقد ان لبنان سيصل بازمته الى هذا المستوى من الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي. ففي كل مراحل الازمات السابقة التي عصفت بلبنان وكانت اشدها تلك التي انفجرت في منتصف السبعينيات ، لم تصل الامور الى الحد الذي وصلت اليه الان ، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا دواء ولا محروقات رغم الانتظار الطويل في طوابير الذل والبحث عنها في السوق السوداء.
لبنان الذي كان تتميز بنيته الاجتماعية بقوة طبقته الوسطى ، افتقر هذه الميزة واصبح الفراغ كبيراً بين طبقة شعبية اتسعت مساحتها الافقية بعد هبوط الشرائح الوسطى الى صفوفها وضيق مساحة الطبقة التي باتت تمسك بناصية التحكم بالسلع والخدمات الاساسية ،من جراء الاحتكار للمواد ذات الصلة بالامن الغذائي كما الوكالات الحصرية والتهريب للمواد التي مازالت مدعومة من الدولة.
في الاونة الاخيرة ، دق حاكم مصرف لبنان جرس الانذار ،بانه لم يعد باستطاعته توفير الدعم وعلى الاقل للمحروقات ، فكان ان رُفِع الدعم نسبياً عن سعر صفيحة المحروقات كما الغاز، لكن هذا الرفع الجزئي لم يؤدِ الى انهاء الازمة ،سواء لجهة توفير المادة في السوق بدون الانتظار او المبيت واخيراً اقامة صلاة الجماعة في المحطات ،او لجهة اعادة الحرارة الى شبكة الكهرباء التي بات المواطن يبتهج عندما يرى لمعان النور الذي سرعان مايغيب ليعود بعد ساعات وربما ايام في بعض المناطق.
ان رفع سعر صفيحة البنزين والمازوت وقارورة الغاز الى مستوى الضعف لم يحل المشكلة بل زادها تفاقماً لان العديد من محطات المحروقات احجمت عن فتح ابوابها واعادة تشغيل خراطيمها بعدما وجدت ان بيع المحروقات في السوداء يدر ارباحاً اكثر ويوفر اشكالات يومية امام المحطات.
هذا التدبير ابقى القديم على قِدَمِه ، حيث سكك التهريب بقيت تعمل بذات الوتيرة ، والسوق السوداء استمر نشطاً ، والناس تلجأ لتامين حاجتها من المحروقات للنقل او لتشغيل المولدات والمعامل والمؤسسات من هذا السوق الذي سعره يتقلب كاسعار العملات والاسهم في البورصة.
امام هذا الواقع المأسوي الذي ينوء اللبنانيون تحب اعبائه دون ان تلوح في الافق امكانية الخروج من نفق الاستعصاء السياسي لتشكيل الحكومة ، وهي ان شكلت لن تقوى على الحل نظراً لكثرة العصي في الدواليب ،ودون ان يودي التطبيل الاعلامي باستجلاب المحروقات من ايران الى توفير حل للازمة ،لان طرح الفكرة كان بقصد الاستثمار السياسي ، لان من يريد ان يحل الازمة لا يتلطى وراء التعقيد الظاهري الذي يمارسه رئيس الجمهورية وفريقه الرئاسي ،امام هذا الواقع يطرح التساؤل الاساسي ما الحل ؟ .
فالوعد الذي اطلقه وزير الطاقة حول صفقة النفط من العراق ، تبين انه للاستهلاك السياسي والاعلامي ،وفي حال وجدت الصفقة طريقها الى التنفيذ فهي لن تستطيع ان تلبي حاجة السوق لاكثر من شهر ،علماً ان روائح الصفقات فاحت منها قبل ان تصل الى الخزانات اسوة بما كان يحصل عند تنفيذ عقود بواخر الكهرباء. وبواخر نفط الاستثمار السياسي لن تحل المشكلة بل ستضيف عليها تعقيدات جديدة. والمصرف المركزي الذي لم يعد باستطاعته توفير الدعم لفاتورة المحروقات والدواء ،رمى الكرة في ملعب السلطة السياسية ،بتأكيده ان الرفع المحدود للدعم لن يحل المشكلة والدليل ان السوق بقيت ناشطة والتهريب يقي على وتيرته .
ان الواقع السياسي الذي يواجه انسداداً في مخرجات الحلول وعنوانه الحركي ازمة التشكيل الحكومي ، وعجز قوى الاعتراض الوطني على تقديم بديل انقاذي عملي بادواته وحاملاته السياسية ، دفع المواطن لان يجد نفسه في صلب مأزق لم تعد الاطراف الداخلية قادرة على توفير معطيات الحل الذي يوفر حدوداً مقبولة من ضرورات الامن الحياتي. ولو خيّر المواطن بين رفع الدعم عن السلع ، وبين مايعاني منه من انتظار في طوابير الذل امام المحطات والافران والمستشفيات لاختار الاولى على الثانية عملاً بالقول المأثور "ذل الفلوس ولا ذل النفوس ".
اليس من المخزي ان يُدْفع المواطن للقبول او للسكوت عن رفع الدعم عن سلع وخدمات اساسية ، وهو الذي كان يعتبر ان الدولة مسؤولة بحكم وظيفتها الحمائية عن توفير الحماية والدعم لرزمة من الخدمات والسلع الاساسية الضرورية للامن الحياتي.؟
قد يقول قائل ، ان كثيراً من الدول وخاصة المتقدمة منها لاتؤمن دعماً للسلع والخدمات وان مستوى المعيشة فيها مرتفع رغم تحرير سعر السوق ، فما الضير اذن من تحرير اسعار السلع والخدمات ؟
ان القول صحيح لو كانت الدولة توفر حماية للمواطن ، وهو الحال غير المتوفر في لبنان. ولذلك لايكمن اجراء مقاربة بين الواقع اللبناني وواقع الدول الذي تدعم المواطن مقابل تحرير اسعار السلع.
ان مثل هذه الدول تؤمن نظاماً استشفائياً شاملاً ، كما النظام التعليمي ،وهي مسؤولة عن تأمين فرص العمل ، وعندما تنعدم هذه الفرص ، تتحمل الدولة عبء تقديم مساعدات لمن انعدمت امامهم فرص العمل. وعندما يجد المواطن نفسه في مثل هذه الدول ان لامشكلة عنده في غده ،لايعود يتوقف كثيراً عند سلع غير مدعومة طالما هو كمواطن مدعوم خاصة معرفته ان دفعه للضرائب سيعود عليه بخدمات تتعلق بمل شؤون حياته .
ان الملفت للنظر ، انه امام مايعانيه المواطن من اذلال ، فإنه لم يعد يجد ضيراً في رفع الدعم عن السلع وخاصة المحروقات طالما انه يشتريها من السوق السوداء بالسعر الحر الذي يوازي السعر فيما لو يكن هناك دعم للمحروقات و ربما اكثر. وعندما تستطيع منظومة سلطوية ايصال الوضع الى هذا المستوى من الخيارات ، ويُقْبِل المواطن على التعايش معها كامر واقع ،فهذا يعطي اشارة سلبية الى مستوى اليأس والاحباط الذي وصل اليه اللبنانيون وهم الذين ظنوا انفسهم على قاب قوسين او ادنى من عملية تغيير سياسي يطيح بالمنظومة السلطوية بعد مشهدية انتفاضة تشرين.
لقد اعادت المنظومة السلطوية انتاج نفسها ، لكن الانتفاضة لم تستعد نبض الشارع . انه نتاج اجهاض الانتفاضة وعدم الوصول بها الى تحقيق التغيير الوطني المنشود.وانه لمعيب ان يصبح رفع الدعم مطلباً شعبياً ويمر سلاماً وبرداً فيما كان ناراً تحرق كل من يقترب منه.

New Page 1