Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


لقد وجدت الله


27-07-2021
في 27/ 7/ 2021 حسن خليل غريب
من باب التأكيد أنني لم أكن الوحيد الذي فتَّش عن الله فوجده.
ومن باب التأكيد أيضاً أنه تساوى إنسان العصر الحجري مع إنسان التكنولوجياً الأكثر إثارة، بالتفتيش عن الله. وبالتأكيد إن النتائج كانت متشابهة بين هذا التفتيش وذاك. فالجميع وصل إلى نتيجة من اثنتين: الله موجود، أو إن الله غير موجود.
ومن باب التأكيد أيضاً أن كل إنسان يجد إلهه، كان منذ القدم يُفصَّل الآخرين من البشر بين مؤمن وكافر قياساً على مواصفاته للإله الذي وجده.
إذن أنا واحد من بين المليارات الذي وجد إلهاً بعد عشرات السنين قضاها في هذا الفضاء الواسع وراح يفصِّله كما هدته إليه رؤيته. ولكنني لم أجرأ يوماً على تفصيل البشر بين مؤمن وكافر. فلا كافر ولا مؤمن من وجهة نظري، بل يتساوى الجميع بفعل إيمان كل منهم بالله على طريقته ومقادير براهينه. ولكن الاختلاف من وجهة نظري يكمن في تحديد وظيفة الله، ووسائل ارتباطه بحياة البشر.
أقول ذلك بينما أعتبر أن الله الذي وجدته لا يتدخَّل بحياة البشر. بل خلقهم وسوف يخلقهم بعد أن غرس فيهم غرائز إدارة حياتهم.
لا مؤمن عندي ولا كافر. وبناء على هذه القاعدة، أرى أن الله الذي وجدته يقبع في ذاتي، ليس على الطريقة الصوفية الإشراقية، بل على الطريقة العيانية الملموسة.
إين أجد الله، بل أين وجدته؟
لست روحانياً، ولست مادياً، بل أنا أمارس الحياة على مقدار ما دلَّتني إليه تجربتي. ووجدت أنه ليس في هذه الحياة، على قصرها، ما يستأهل التفتيش عن الله وعن صفاته وأسمائه وقدراته لأن الله قيمة بذاتها لا مثيل لها ولا أوصاف. بل أعتبر حياة الإنسان مرحلة يمكنني أن أكون فيها شقياً متعباً، أو أن أكون فيها سعيداً مرتاحاً. وقد دلَّتني تجربتي أن الحياة مزيج من الشقاء والسعادة. فلم أعرف الشقاء باستمرار على الرغم من بشاعته، ولم أعرف السعادة باستمرار على الرغم من حلاوتها وندرتها.
ولذلك وجدت ما يستأهل التفكير بحياة البشر، وماهية الأسباب التي تجعل الإنسان شقياً، أو الأسباب التي تجعله سعيداً. وهذا ما يحدد مهمة الإنسان وحصرها بالعمل للقضاء على أسباب الشقاء، والعمل على توفير أسباب السعادة.
لم أؤمن يوماً أن الله خلق الفقر والغنى، بل ساوى جميع البشر بخلق جينات التفكير لصناعة حياة سعيدة. وأنه لم يرزق إنساناً ويحرم الآخر. ولم يميِّز شعباً عن آخر.
ولأنه خلق البشر على التكوين الفيزيولوجي الواحد، وخلق الثروات في الطبيعة لكل إنسان يحرث أرضها ويغرس فيها البذور، ويُنقِّب في باطنها ويستخرج كنوزها. فهو قد ساوى بينهم بوسائل الحياة، تركيباً فيزيولوجياً، وحاجات مادية من المأكل والمشرب، بحيث لا يمكن الفرد الواحد استهلاك كمية من الغذاء تفوق حجم معدته.
لقد وجدت الله في صراخ رضيع عندما يحس بأن أمعاءه أصبحت خاوية، فتأتي إليه أمه وترضعه مما خزَّنت من غذاء في صدرها.
لقد وجدت الله في مسؤول يشعر بأن عليه أن يفتش عن السبل التي تضمن وجود الغذاء لمن هو مسؤول عنهم.
لقد وجدت الله في أب يسعى في مناكب الأرض ليوفِّر الغذاء لبنيه.
لقد وجدت الله في رجل دين يحثُّ أبناء قطيعه على الصراخ في وجه راعيهم إذا قصَّر في واجباته. كما يحثُّ البشر على الصراخ في وجهه إذا انتقص من حقوقهم.
لقد وجدت الله في مفكر أو مثقف يجهر برأيه في آذان من يأكل حقوق الناس. ووجدت الله بشكل واضح وجلي فيمن دفع حياته ثمن رأيه على الرغم من وعد الظلمة والمتخلفين من أزلام السلطان، أو من وعيدهم.
ولكنني على الرغم من التحديق الطويل لم أجد الله فيمن زعم أنه مسؤول عن قطيعه وهو لا يعرف غير أن يجزَّ صوفها ليحيكه لباساً له ولأولاده ويتنازل عن الأسمال لحواشيه المحيطة به من مبجِّلين ومبخِّرين ودجَّالين.
لم أجد الله في تلك الحواشي، لأنهم يعبدون أسيادهم، ويقفون بين أياديهم وقوف العبيد الأذلَّاء.
ولم أعرفه في وجه من يدافع عن أسياده تحت حجة أنه يأكل من مالهم فيضرب بسيفهم.
ولم أعرفه في رجل دين يقدم عصارة فتاويه ومواعظه على حجم مصالح المسؤول الذي يرشيه بأكياس الذهب والفضة.
ولم أعرفه فيمن يبيع ضميره بعشرين من الفضة.
لم أعرف الله في وجه إنسان أهمل عقله ليكون تابعاً ومقلِّداً ومستسلماً لعقل آخر. بل أعرفه فيمن آمن بأن الله وهبه دماغاً كمثل الآخرين، وهو يستطيع أن يصل إلى مرتبة المسؤول عن أفعاله. وهو يستطيع أن ينمي مداركه فيفتي لنفسه، ويعظ نفسه، وينتج المعرفة لنفسه.
لقد وجدت الله في صراخ المظلومين في وجه ظالميهم. ووجدته في قلوب الشجعان الذين لا يأسفون على فتات من الخبز ينعم عليهم بها من سرقهم ونهبهم واستعبدهم، وسرق عرق جبينهم ليلقي لهم بلقمة الخبز التي جبلوها بالدم وعرق الجبين.
لقد وجدت الله على وجوه أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع وهتفوا بإسقاط الظالمين والحرامية والدجالين من حواشيهم ممن بذلوا ماء وجههم ليحموهم من غضب الفقراء والمحتاجين والمرضى وأبناء السبيل.
أيها الناس، لكي تعرفوا وجه الله الحقيقي، إنزلوا إلى الشوارع، وقولوا إننا جائعين وجاهروا باسماء من كان السبب في جوعكم. جاهروا في اتهام أصنام أحزاب السلطة لأنهم هم المسؤولون عن إدارة شؤون الدولة. وجاهروا باتهام من يزعمون أنهم يعبدون الله، وما هم عابدين سوى السحت الحرام ويخدعون الناس بأنه (سحت حلال). ولكي تطمئنوا إلى صدق أحكامنا عليهم من حقكم أن تعرفوا من أين يسرقون، وعلى من يتصدقون.
لقد وجدت الله بين أولئك الفتية والفتيات الذين يهتفون بملء أصواتهم كلمة حق في وجه ظالم، ولم أجده فيمن يزعم كذباً ودجلاً بأنهم يتعبدون الله بينما هم ساكتون عن الفاسدين والحرامية. إن الله منهم براء لأنهم لا يطالبون بحقوق وهبها الله لهم واستولى عليها من يزعم أنه يحميهم باسم الله.
أيها الفتية وأيتها الفتيات لا تجزعوا أنكم قِلَّة، لأن الأنبياء كانوا قلة حينما صرخوا بوجه الظالمين، ولأنهم هتفوا ودعوا إلى تحطيم أصنامهم، فقد أصبحوا كثرة كثيرة. وثقوا بأنكم ستصبحون كثرة كثيرة لأنه الله بينكم يقف هاتفاً ولاعناً من استباح الحقوق التي وهبها للناس أجمعين.
وأخيراً الحمد لله أنني وجدت الله إلى جانبي في الشوارع والساحات، وليس في المؤسسات الفاخرة التي شُيِّدت باسمه، وصرف عليها أدعياء الدين مبالغ لو أنفقوها على الفقراء لما كان هناك فقير. وما نفع فقير من صلاة أو دعاء في مؤسسة دينية فاخرة البناء والأثاث والتجهيزات؟
إنزلوا إلى الشوارع، فإن صوت الله معكم يهتف ضد أبناء الأفاعي، وضد الذين أكلوا مال المساكين وأبناء السبيل.

New Page 1