Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


فصل من كتاب قراءة لذكرى الرسول العربي فـي فكر ميشيل عفلق للدكتور عز الدين دياب - الجزء الرابع


12-05-2021

مشاهد من الحياة العربية فـي عصر الرسول:
تريد هذه المشاهد أن تلقي الضوء على الحياة العربية فـي عصر الرسول العربي، بحيث تكون الصورة التي تعكس معالم هذه الحياة بكل أنساقها الرئيسة: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية، لنستدل من خلالها على كل ما يجري فـي هذه الحياة من وحدة وانقسام، وحوار، وصراع، بل قل ما كانت متضمنة ثقافة الحوار آنذاك من قيم ومثل، ونظم ثقافية.
والقصد من جراء ذلك: "أن نعيد إلى الالفاظ معناها وقوتها، مقامها وحرمتها، أن نجعل لكل لفظة موقفاً فـي الحياة يقابلها، أن تجعل اللفظة مخبرة عن عمل قمنا به، بعد أن كانت مذكرة بعمل عجزنا عنه. علينا ألاَّ نقول إلاَّ ما نقدر على تحقيقه، حتى يأتي يوم نقدر فيه أن نحقق كل ما نقوله".
وإذا أخذنا المقطع السابق وحلّلْناه أنثروبولوجياً نجد أن الأستاذ قد حقق قفزة منهجية إلى الأمام فـي الدراسة عن بعد لم يسبقه إليها أحد من المفكرين العرب، آنذاك فـي إطار ما تسميه الأنثروبولوجيا وتعتبره من أحد أهم مهامها الدراسية، وضع المعاني الصحيحة على الظواهر، وتحديد مضمون المفاهيم العائدة للبحث تحديداً دقيقاً يتجانس مع المعنى الصحيح للظاهرة المدروسة، وخاصة فـي تأكيده على: "أن نجعل لكل لفظة موقفاً فـي الحياة يقابلها، وأن نجعل اللفظة مخبرة عن عمل قمنا به".
والروعة فـي هذا التأكيد ضرورة الربط العضوي والجدلي بين المفهوم ومضمونه. بين الظاهرة ومعناها الحقيقي. أي اللفظة ومالها من مواقف تقابلها فـي البناء الاجتماعي، وهذا ما لمسناه وهو يتحدث عن حياة الرسول وعن قيمة الإسلام فـي الحياة العربية.
ونأخذ دعوته هذه فـي حقائقها المنهجية، فـي سياق أو إطار تشكيل المشاهد وتركيبها فـي حقيقتين بنائيتين هما:
الأولى: "إنَّ اختيار العصر الذي ظهر فيه الإسلام، كان لأنَّ العرب قد نضجوا وتكاملوا لقبول مثل هذه الرسالة وحملها إلى البشر".
الثانية: "وللعيوب التي حاربها كانت عيوباً عربية سائرة فـي طريق الزوال، والمسلم فـي ذلك الحين لم يكن سوى العربي".
وانطلاقاً من هاتين الحقيقتين يمكن بناء مشاهد/سيناريوهات تؤيد وتثري الحقائق البنائية الموجودة فـي الحياة العربية، والتي إذا عشنا مضامينها ومعطياتها تعليلاً وتفسيراً نستطيع أن نقول فـي صورها البنائية وحوادثها ومفاهيمها قولاً صحيحاً حمالاً للجدل الاجتماعي القائم والكامن فـي تلك الحياة.
ولاشك أنَّ إحدى المهام الرئيسة للمشاهد استجلاء صورة الحياة العربية فـي عصر ظهور الإسلام، وتسليط الضوء على النظم الثقافية فـي تلك الحياة بكل ما فيها من عموميات وبدائل، وخصوصيات، على حد رأي الأنثروبولوجيا الثقافية، وتجديد الألفاظ/المعاني حتى تواكب التغيرات التي تحدث فـي البناء الاجتماعي وتعبر عنها تعبيراً سليماً.
قراءة فـي كراس "ذكرى الرسول العربي":
إنَّ المشاهد عندما تقدم نفسها دلالة على طابع الحياة الاجتماعية فـي مكة، وتعكس صورة ما يجري من أحداث وعلاقات اجتماعية متغيرة موجودة فـي بنية مجتمع الجزيرة العربية فإنَّها متضمنة فـي بنيتها مؤشرات عدة تدل على أحداث ووقائع كانت تجري فـي الحياة اليومية للجزيرة العربية متباينة فـي أسبابها مختلفة فـي وجهتها وأهدافها.
ولكن من اللافت للنظر فـي تلك المشاهد الغزو الحبشي، وتدخلالروم والفرس فـي أطراف الجزيرة.. فـي قبائل وعشائر الغساسنة والمناذرة.. تدَخُّل السيِّد فـي حياة التابع ومصيره، وتدخل الظالم فـي شأن المظلوم.. والقوي فـي وجود الضعيف.
وعن سؤال ماذا تتضمن.. وماذا تقول هذه المشاهد، والسؤال عندي فـي كل مرة سنة منهجية لأنَّها حمَّالة فـي جوفها للفروض التي بدونها لا يستقيم البحث والتحليل يفقد مماسكه ويذهب إلى مفترق الطرق؟.
فـي المشاهد بعض من معالم الحياة الاجتماعية فـي العصر الجاهلي، وهو على أعتاب طفرة وإرهاصات جديدة وكبيرة تشيد بانتقاله إلى عصر جديد.. هو عصر الإسلام، لكنها المعالم الرئيسة.
وفـي المشاهد أيضاً دلائل تقول لنا:
أولاً: إنَّ مكة مثلت حاضرة فيها الغث، وفيها السمين.. فيها الجهل، والعصبية، والثأر، والأحلاف، والحروب.. وفيها الولاءات الدموية والجهوية... وفيها أيضاً الانقسامات والرجولة، والكرم، والبحث عن دور لهذه العشائر والقبائل ترتقي فيه وتتقدم لتصبح ذات شأنٍ... وفيها النخوة ونصرة المظلوم.
ثانياً: وهذه الحاضرة كانت تتواصل مع العالم المحيط بها من خلال قوافل التجارة، والتواصل الجغرافي، وهي تعيش إرهاصاتها ذات الجبلَّة المتنوعة المضامين، والعوامل، والدوافع، والخلفيات، لكنها مجتمعة ومنفردة تئن من الأوضاع التي عليها الجزيرة، تريد الخروج منها إلى أفق أوسع، وأكثر حضوراً فـي استحقاقات المستقبل المنتظر، التي تعلن عنه الإرهاصات، التي يقول عنها التاريخ إنَّها فـي كل مجتمع تبشر بولادة جديدة.
ومجتمع مكة أدرى بشعابها، يريد أن ينهي الولاءات الضيقة، ويخرج بالشباب والأجيال الجديدة خارج منطق التَّحارب والانقسام والنزعات العصبية، ويعلن وقف التدخل الرومي والفارسي، وما يتأتى منه من عدوان واستغلال لعرب الجزيرة.
ثالثاً: فيها قوى اجتماعية تتصارع فـي عدة مستويات من الصراع القبلي... إلى صراع الأجيال... إلى الصراع بين الظالم والمظلوم.. وصراع الديانات من وثنية إلى يهودية ومسيحية وإبراهيمية.
الأهم فـي هذه الصراعات صراع الأجيال الجديدة مع ما يسود الحياة القبلية من ولاء مطلق للمجموع، وخضوع لأعراف تجعل الشباب ينحني لعادات وتقاليد وقيم لم يعد يقتنع بها، فضاق صدر الشباب بالخلافات والصراعات القبلية، وأصنام لم يعد يكفيهما يشاهده من طقوس لا تضر ولا تنفع.
ولم يعد يقتنع بحالة الجهل التي تحرمه من كفاءاته الذاتية وصار الشباب يتطلع إلى فضاءات أوسع... ينظر إلى السماء ثم يعاود النظر إلى الأرض... إلى بطاح مكة فلا يجد إلاَّ الأصنام أمامه فيحول نظره عنها إلى دين إبراهيم، أو إلى اليهودية والنصرانية.
فيحاور الشباب جيل الشيوخ من الآباء، والأمهات، والأعمام، والأخوال فيجد بصيصاً هنا وظلمة هناك، ويسمع أصواتاً داخل بنية الإرهاصات فيسير نحوها لالتقاطها لكنه لا يظفر بها.
رابعاً: فـي مكة وضواحيها أهل الحكمة، وأهل الجهل.. فيها الشباب وفيها الشيوخ، وفيها حياة اجتماعية تسيطر على بعض قطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية الركود... وفـي جوانب بنائية أخرى بلغ الركود مداه وحدَّته، ولكن ثمة ولادة جديدة تفلت من هذا الركود، وتتجلى فـي البحث عن دور الشباب... إنَّه فـي مكة... يبدأ منها، ويفلت فلتة خلاَّقة باتجاه أنحاء الجزيرة العربية للخروج منها نحو بلاد الشام واليمن.. ومصر.. ومن بعد إلى المغرب العربي.
خامساً: فـي مكة يتعالى الحوار... وتنطلق الأصوات معبرة عن اتجاهات جديدة قديمة كانت حبيسة الغلو القبلي.. بعضها ولاَّدة، وأخرى رهينة الحياة التقليدية فـي مكة. وهي:
الاتجاه الأول: يقول بانغلاق مكة وجزيرتها العربية على نفسها، إنَّه انغلاق الذات على الذات، ولا جديد إلاَّ فـي أطر القربى ذات المستويات المتعددة.
الاتجاه الثاني: أَلِفَ حياة التبعية للفرس والروم تتماهى مع الذل، والتبعية والعدوان الذي يتساكن على حدودها كلما دعت الحاجة.
الاتجاه الثالث: يبحث عن دور للجزيرة... أهل الجزيرة تعود منه إلى نفسها لتخرج بعد هذه العودة إلى حياة جديدة ترفض الانغلاق على النفس. وفـي الوقت نفسه ترفض التبعية، وتدعو إلى الندية مع الفرس والروم تمهيداً لإبلاغهم دور أهل شبه الجزيرة العربية الجديد.
سادساً: لم تعد وحدة المتناقضات تتعايش فـي جدلية مغلقة على نفسها ولا تأتي بجديد، ويسفر عن ولادة جديدة، فالتجارة ومردودها الاقتصادي والاجتماعي لم تعد القوى الاجتماعية العاملة فيها ترضى عن مردوده بل تبحث المزيد، ولا عادت الفئات الاجتماعية التي تعيش فـي بحبوحة ترضى بما تناله منها.
والأجيال الشابة ضاقت ذرعاً بطغيان المجموع القبلي القرابي عليها، فأرادت أن تظفر بشأنها وشأن مجتمعها بعيداً عن أوامر، وتوجيه شيوخ ووجهاء العشيرة والقبيلة، ومستويات القربى فيهما. كما ضاقت بالخمر والفروسية التي لا تأتي بأدوار جديدة، ولا تأخذ الشباب خارج الحياة التقليدية، ولا تفصح عن رغبات الشباب ومطالبهم التي ضاقت ذرعاً بالراهن من الحياة الاجتماعية لأنه لا ينهض ولا يلبي مطالب الشباب المتجددة.
كما لم تعد الولاءات لمستويات القربى وعصبياتها تشفي غليلها فـي القيم الحاكمة لهذه المستويات.. الكل يبحث عن ولاءات أوسع وأكبر.
والنفور من ولاءات القربى وما يأتي منها من ثأر وأحلاف وحروب خلقت وفقاً لولاءات اجتماعية جديدة تبحث عن أرضية بنائية تشكل مستحقات لها، وعقيدة تقفز فوق ثقافة الأصنام الصم البكم، وتذهب بها مذاهب جديدة.
وهذا فحواه ولادة قيم جديدة وأفكار جديدة، واتجاهات أبعد من العشيرة والقبيلة، والعائلة.. إلى وطن برمته يستفيد من طاقاته وإمكاناته ويوظف موقعه الجغرافي الاستراتيجي فـي منافع كثيرة وكبيرة، تتجاوز لقمة العيش... إلى دور حضاري لأمة جديدة منتظرة ساكنة فـي أرض مكة وشعابها.
إنَّ ما أوردناه من ملامح ومعالم الحياة الاجتماعية فـي مكة، وما يتفاعل بداخلها من إرهاصات كان بقصد إبراز صورة المجتمع العربي فـي مكة وما يجاورها. وهذا معناه أن اختيار المشاهد وما ملكت من مؤشرات أي فـي إطار ما يخدم الهدف الأساس، وفحواه استخلاص الوحدة والانقسام في المجتمع المكاوي وما يتفاعل بداخله من اتجاهات وصراعات، وأهملنا فـي الوقت نفسه العديد من الظواهر البنائية والمؤشرات رغم أهميتها ودلالاتها المتعلقة بدراسة المجتمع والفهم العميق لبنيانه الاجتماعي.
ويبقى السؤال على جاهزيته المنهجية يعلن عن حضوره حتى نصل إلى ما قاله الأستاذ فـي الرسول العربي وعنه لنعرف ما إذا كان فـي وعيه وعقله استشراف معالم عصر النبوة.
يقول جعفر ماجد فـي كتابه (محمد النبي الإنسان): "ما أجمل أن يعيش المرء فـي عصر النبوة (...) والنبوة لم تظهر إلاَّ فـي زمن الفساد لرسم طريق الهداية، وطمس أخاديد الغواية، يختار لها الله من أهلهم لحمل ذلك الوزر بالقوة الروحية والجلد والصبر والقدرة على الفداء والتضحية".
لقد صار بينهم، وأنجبته الأرض التي تحتاج إلى غيث... إنَّه محمد الرسول العربي الذي كبر بين قومه لحمل ذلك الوزر وهو "الخبير بكل ما يختبره العرب من ضروب العيش فـي البادية والحاضرة، تربى فـي الصحراء وألف المدينة، واقترب من السراة، ولم يبتعد عن الفقراء، وهو خلاصة الكناية العربية".
وجاء الرسول العربي فـي مرحلة تاريخية "كان التاريخ شيئاً فأصبح شيئاً آخر، وكان الشباب فـي مكة شيئاً، وأصبحوا شيئاً آخر.. وكان محمد فـي مقدمتهم يسافر، ويرى مالا يراه فـي مكة، ويتعلم الجديد.. ويذهب تفكيره خارج عالم الأصنام، والاقتتال القبلي.. ويأخذ محمد الشباب إلى حيث يريدون.. ذلك الذي يسكن ويستريح استراحة باحث فـي وعيهم، وترعرع الرسول العربي فـي زمن كانت العروبة حبلى بما ينهض بها، ويجددها ويحقق تكاملها.. وكانت العروبة أيضاً تبحث عن دليل عمل لها... دليل فكري يتجاوب مع نضج العرب وتكاملهم، ويغرِّد باتجاه إنسانية عربية جديدة بادية معالمها وآفاقها فـي حياة الرسول العربي التي مثَّلت التمرد على الواقع بأحلى أشكاله ومستوياته، ويمضي به ليكون استعداد الأمة الدائم يختم نفسه بظفر الحق على الباطل، والإيمان على العبث..".
يتبع في الجزء الخامس

New Page 1