Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: البعث هو حركة الأمة حضاريّاً: "في ذكرى السابع من نيسان 1947"


07-04-2021
والبعثُ لولا حياةٌ في مبادئهِ ما كان يُزهِرُ حيث النارُ تستعرُ
6/4/2021
ـــ 1 ـــ
لا يمكن لأمةٍ أن تُنجزَ صنع حضارة متقدمة إلاّ بثقافة تنبع من مكوناتها التأسيسية التي قامت عليها، والتي صنعت شخصيتَها الحضارية عبر تاريخها الطويل، ومن هذا الوعي التكويني للأمة العربية نستطيع أن نؤكد أن البعث فعل ثقافي ينبع من السِمات التكوينية التي بَنَتْ الشخصية العربية عبر نشأتها واكتمال حضورها بكل إنجازاته، ولعل أبرز الصفات الثقافية المُكَوِّنة لشخصية الأمة العربية يفسِّرها قولُ الرسول العربي محمد بن عبد الله: "إنما بُعثتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق". وإذا نظرنا بدقة لكلمة "لأتمم" في الحديث الشريف لعرفنا أنها تعترف بمكارم الأخلاق العميقة والبنَّاءة عند العرب حتى في مرحلة ما قبل الإسلام. فما هي أبرز سِمات مكارم الأخلاق التي كوّنت وجود الأمة العربية حضارياً؟
ـــ 2 ـــ
ترابط الوحد والحرية والاشتراكية عبر ثقافة الأمة
لعلّ الحرية كانت الثقافة العربية الأبرز في تنشئة الشخصية العربية منذ التأسيس الأول، لقد آمن العربي منذ البدء بالحرية ثقافةً متحولةً إلى سلوكٍ حياتي، وصارت الثقافة الحرة فكراً يُمارَس بالسلوك، وينجز تقدماً حضارياً، حيث لا تقدم بلا حريةٍ، وتقدمت الإنجازات الحضارية مترافقة مع إيمان العربي بالحقيقة العليا في التكوين الإنساني: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". ومن خلال تجربة التاريخ الطويلة وعند كل الحضارات أن وحدة أية أمة من الأمم لا يمكن أن تتحقق فعلياً إلا بأناسٍ أحرار، إن الوحدة التي جمعت العرب في معركة ذي قار ضد الفرس قامت على الحرية حين أراد الفرس استعبادَ العرب وأخْذَ نسائهم زوجات قسراً وبالإكراه، لقد دافع العرب عن حريتهم بوحدتهم في معركة ذي قار التي قال فيها الرسول العربي: "هذا أول يوم انتصف فيه العرب من الفرس"
وأية وحدة تنقصها الحرية تكون ناقصة ومعرضة للانهيار، فالحرية اختيار تقوم به الذات والجماعة ولا يمكن أن يقيم عدالة اجتماعية إلا أناسٌ أحرار، فعنترة بن شداد الفارس الجاهلي لم يصبح فارس قومه إلا عندما نال حريته وقال له في المعركة: "يا عنترة كُرَّ وأنتَ حر"، وبالحرية طرد العرب اليمانيون الأحباش، وأنشأوا ملكهم قبل ظهور الإسلام. إنهم كانوا يعتقدون أن إنسانية الإنسان تلغى إذا ألغيت حريتها.
إن الترابط بين الحرية والوحدة أنجز فكراً اجتماعياً يؤمن بالعدالة الاجتماعية التي تضمن الحياة الكريمة لأبناء الأمة، ولعل قول الرسول العربي: "الناس شركاءُ في ثلاث، الماء والكلأ، والنار" يعطينا دلالة عميقة لاشتراكية أشياء الحياة الأولى في ذلك الزمن، وقد رفض العربي القبول بالغبن الاجتماعي الذي يسلب الناس مقومات حياتهم، ودعا هذا الفكر الحر إلى قتال سارقي خبز الناس وأقواتهم، وقي هذا المنحى الثوري يقول أبو ذرٍّ الغفاري: "عجبت لمن يموت من الجوع ولا يخرج شاهراً سيفه وبقتل الناس".
إن هذا الترابط بين الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية أنجز حضارة إنسانية عظيمة ساهمت في رقي التجربة البشرية وفي كل أنحاء العالم، وفي هذا قال المستشرق بروكلمن: "لو حُذِفَ العرب من التاريخ لتأخرت نهضة أوروبة ألف سنة". إن في هذا الكلام شهادة واضحة المعالم على الدور التاريخي للعرب في مساهمتهم بإنجاز حضارة إنسانية صحيحة. وهذا الترابط بين الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية لم يكن موجوداً لولا الثقافة التي آمن بها البعث وجعلها سلوكاً ممارَساً في عقيدته.
ولا بد من التأكيد على معنى أنْ جعل البعث الثقافة أعلى وأرسخ عناصر مقومات روابط أبناء الأمة العربية، وهذا يعني أن فكر البعث لم يكن مستورداً ولم يكن مستحدثاً، بل كان نابعاً من شخصية الأمة وسلوكها عبر تجربتها الحضارية في زمن ازدهارها المعطاء وزمن انتمائها لفعلها الثقافي المتحول حضارة. إنّ كثيراً من الأفكار عند بعض الأحزاب كانت مصابة بالغربة منذ انطلاقتها التأسيسية لأنها متناقضة مع الفكر التكويني للأمة العربية، ومتناقضة مع ثقافتها الممارسة على أرض الواقع. لقد انتشر فكر حزب البعث بسرعة في تكوين الذات العربية لأنه ليس وافداً من الخارج وليس طارئ الحدوث. وعدم اغتراب البعث عن روح الأمة وعقلها جعله صامداً في وجه كل المحاولات الهادفة لاقتلاعه من وجدان أمته العربية. وهذا يفسر دلالة القول العميق الذي يؤكد أن كل من آمن بفكر أمته العربية "هو بعثيٌّ وإنْ لم يَنْتَمِ.". إن هذا القول يدل على معنى البعث الذي يعني وجود الأمة نفسها.
ـــ 3 ـــ
إنّ الثقافة الإنسانية العميقة التي يؤمن بها البعث جعلته نقيضاً للعنصرية التي تسربت إلى كثير من الأحزاب المنتشرة في العالم. فالثقافة أساساً هي وعي إنساني لا يمكن حصره بإنسان دون آخر. والعنصرية انغلاق، والانغلاق نقيض الانتشار والتأثير في الآخر. وكل حالة عنصرية فإن الجهل أبرز صفاتها، والجهل يهدم ويخرب، بينما الوعي المنفتح يبني ويطور ويرفع، والعنصر تغلق آفاق الانفتاح على الآخر، وتتهم الآخر مهما كان نوعه بعدم الصحة، فقط لأنه لا يقبل الدخول في أنفاق ظلامها وتحجرها. لقد انفتح البعث على أفكار الأحزاب الأخرى وناقشها وأقام معها تحالفات، وناضل معها في خطٍّ تكثر فيه نقاط الالتقاء، وتُحاصَر فيه نقاط الاختلاف لأن العمل الوحدوي هو عمل بنيويٌّ قبل كل شيء. ولا يمكن أن يدعي أحد أنه وحده يمثل الصلاح الكوني دون غيره. حتى المقدس لم يستطع وحده أن يكون قدراً على إلغاء الآخر.
وهنا نؤكد أن رفض البعث للعنصرية فكراً وسلوكاً تمنعه من أن يلتقي مع أي فكر عنصري بسبب التناقض الفكري والسلوكي معه، وهذا يعني أن البعث لن يلتقي أبداً مع الحركة الصهيونية، لأنها حركة عنصرية. لن يقبلها الفكر البعثي الإنساني إضافة إلى أن الصهيونية حركة استعمارية تناقض الحقوق الإنسانية كافة. ويعتبر البعث أن الصلح والتطبيع والسلام مستحيل مع هذه الحركة التي هي عدوة كل ما هو إنساني.
ـــ 4 ـــ
إن العنصر البطولي في الإنسان تخلقه ثقافة سليمة ورائدة وواعدة، وتتحول إلى ممارسة وسلوك، ومن هذا المنطلق فقد دخل العنصر البطولي في رجال بعثيين عرفتهم مواقع النضال على كل ساحات النضال الوطني والقومي، وفي مختلف الأقطار العربية، وعرفتهم المعتقلات. إنهم آمنوا برسالة أمتهم وما زاغوا ولا بدلوا تبديلا.
وكل سابع من نيسان والجميع بخير.

New Page 1