Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


في ذكرى التأسيس: التجديد ضمن ثوابت المبادئ


02-04-2021
مع اقتراب السابع من نيسان من كل عام تسترجع ذاكرة البعثيين حقبة تأسيس حزبهم في العام 1947 وما تلاها من حقبات مسيرة نضالية غدا عمرها في الأربعة والسبعين.
لقد كان ميلاد حزب البعث إيذاناً بحقبة جديدة في تاريخ الامة العربية تركت آثارها العميقة في الإنسان العربي المتطلع إلى توحيد الوطن شعباً حراً وأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة هدفها الوحدة والحرية والاشتراكية.
إن هذا الحدث التاريخي شكل محاكاة لماضٍ مجيد واستنهاضاً لشعب عانى من جراء سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتأزمة، انطلاقاً من الساحة السورية وامتداداً إلى سائر الساحات العربية ، حيث كانت تلك تعيش بدورها أيضاً، تبدلات وتطورات وأزمات وطنية وقومية، كان أبرزها المشروع التقسيمي الاستيطاني على حساب شعب وأرض فلسطين.
لم تكد تمضي شهور سبعة على التأسيس حتى صدر قرار تقسيم فلسطين في 29/11/1947، وحتى كان عدد من قادة الحزب وأعضائه يلتحقون بالمجاهدين للدفاع عن فلسطين، بموازاة التظاهرات وإصدار البيانات المنددة بمواقف الحكومات العربية وتقاعسها وفضح فسادها وتواطئها مع القوى الخارجية والأحلاف المتآمرة على مصالح الأمة ، والدفاع عن حقوق المواطنين ومصالحهم في الساحات والأقطار العربية أينما ومتى دعا الواجب. إذ لم يكن الحزب ومنذ مهد الانطلاقة مجرد جماعة مفكرين أو جماعة سياسية تطرح شعارات رنانة معزولة عن هموم الناس وقضايا المصير، بل كانت معادلتها الثابتة دائماً: الفكر والفعل توأمان لا ينفصلان.

وكما برز في صفوف الحزب المفكرون الكثر، شهدت المواقع النضالية تزاحم الفاعلين على أرض الواقع بالعطاء المادي والميداني والاندفاع في ساحات النضال، أوقات السلم والحرب على السواء دون أي إعتبار لحسابات المنافع والمصالح الشخصية أو الفئوية حتى بلغ الكثيرون منهم مرحلة التضحية بالاستشهاد.

لذلك، في هذه الظروف التي تتجمع فيها الأخطار والتدخلات من القوى الخارجية من جهة وانصياع البعض في داخل الوطن للإملاءات الصادرة من خارج الحدود من جهة أخرى، يشعر البعثيون بطعم رسالتهم الإنسانية الجامعة الموحدة لمكونات الأمة وبأهمية التمسك بالمبادئ والمبررات والحيثيات لنشأة حزبهم واستمرار دورهم الوطني والقومي في مواجهة الأعداء، وتجسيد فكرة الانطلاقة والاستراتيجية المرسومة ببيان التأسيس المعلن في السابع من نيسان من العام 1947 في قاعة مقهى الرشيد في دمشق.
وفي الوقت الذي شهدت فيه مسيرة البعثيين إخفاقات في بعض المواقع أو تخللها هفوات أو نواقص داخلية ذاتية، ناهيك عن المحاولات والمؤامرات التي حاكتها قوى خارجية لعرقلة مسار الحزب النهضوي وتقدم الأمة وتطورها، يكون التحلي بشجاعة المؤمن بالعقيدة، دافعاً للتصحيح والتجديد بالأسلوب الديمقراطي الذي يليق بالمناضلين وفق الأصول النظامية الملحوظة الإجراء، خاصة أن هذا المنحى ليس جديداً على تاريخ الحزب وأدبياته، فقد سبق ودعا إلى اعتماده الرفيق القائد المؤسس الأستاذ ميشيل عفلق في الحديث الذي ألقاه في بيروت في احتفال القيادة القومية في الذكرى الثالثة عشرة لتأسيس الحزب في 7 نيسان 1960 حيث قال:
"إن المجال الذي قصّر فيه الحزب هو البحث الاشتراكي المنظم ووضع نظرية مفصلة للاشتراكية العربية. فلقد كان يكفي للحزب في السنوات الأولى لتأسيسه أن يعلن عن مبدأ استقلال الطريق العربي الاشتراكي وأن الأمة العربية تبني لنفسها اشتراكية مستمدة من روحها وحاجاتها وظروفها. إلا أنه كان من الواجب أن نتجاوز هذه المرحلة الابتدائية ونطور فكرتها ونعمقها ونغنيها بتجارب البلدان الأخرى. وهذا إحدى مسؤوليات البعثيين الرئيسية في المستقبل القريب"
(في سبيل البعث الجزء الأول)
أيضاً، مع موعد السابع من نيسان موعد الوفاء، يستذكر البعثيون القادة الأوائل بأزهى الأهبة والفخر والإجلال، مؤسسي المدرسة الفكرية التي تعلمت الأجيال منها الكثير، قديمها وجديدها، هذه المدرسة التي تدعو كما قال القائد المؤسس الأستاذ ميشيل عفلق "إلى قيام الدولة العربية التي تتيح لجميع المواطنين أن يعملوا متعاونين على تحقيق إمكانيات الأمة العربية في مجال الروح والمادة، وذلك بتحقيق إمكانيات كل فرد من أفرادها دونما عائق مصطنع. وبذلك تبعث القوى الكامنة في الأمة وتصحح القيم البالية ويستعيد كل مواطن حقه المقدس كاملاً في الحرية والمسؤولية". ومضيفاً: "فالدولة إذن تقوم على أساس اجتماعي هو القومية وأساس أخلاقي هو الحرية. وأفرادها يكونون مرتبطين بقوميتهم مسؤولين عن أداء واجباتهم نحوها بقدر ما يكونون أحراراً فيها" (في سبيل البعث – الجزء الأول) وذلك على نقيض ما نشهده في الحقبة الأخيرة في منطقتنا العربية والإقليمية من دعوات ومواقف عنصرية أو طائفية أو مذهبية تودي بالدولة والوطن والمواطنين إلى مزيد من التشرذم والانقسام، مما يسهل على أعداء الأمة النفاذ إلى مجتمعاتنا وإضعاف بنيتنا الوطنية والقومية لتحل محلها الكيانات العرقية أو الطائفية أو المذهبية، حتى أصبح واقعنا العربي اليوم رهينة التناحر والانقسام والتشتت المناقض لطبيعة المنطق وصحوة العقل والضمير. وقد ساهمت النفوس الانهزامية للطبقة الحاكمة في معظم أقطار الوطن، بالتراجع إلى هذا المستوى من الانحدار، حيث بات الشعب بأشد الحاجة لاسترداد إرادته السليبة بتعاضد القوى الحية والهيئات الشعبية لتفعيل الحركة النضالية في مختلف الساحات والارتقاء فوق مختلف التصنيفات الفئوية والانقسامية، كما بات ملحاً على هذه القوى والهيئات وفي طليعتها حزبنا، العمل لاستخراج الصيغ الواقعية والعملية لتفعيل الحراك الجماهيري ولمواصلة التحرك والنضال لنيل الحقوق المشروعة سواء على المستوى الوطني أو القومي.

وبالوقوف أمام مشهد هذا الحراك على الساحة اللبنانية منذ تشرين الأول 2019 ورغم أنه أدى إلى الكثير من النتائج الإيجابية، الا أنه بقي دون التمّكن من تحقيق أهدافه الإصلاحية، بفعل عوامل ذاتية لقياداته ومجموعاته أبرزها تشرذمها من جهة ، وتصدي الطبقة الحاكمة لها بمختلف مكوناتها وبأساليبها السلطوية المعهودة في أنظمة الحكم الفاسدة من جهة ثانية، الأمر الذي يقتضي فيه على قوى ومجموعات الحراك، ومن ضمنها حزبنا، توحيد الصفوف والمبادرة لتشكيل قيادة موحدة وطرح برنامج عمل متكامل لتجديد دورها في قيادة الثورة كي يستمر لبنان ويتعافى مهما قست الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، وحتى لا نردد لاحقاً مقولة: "لن ينفع بكاء مُلْكٍ لم نحسن الدفاع عنه".

كل التقدير لكوكبة الرفاق المؤسسين الذين شيدوا هذا الصرح الحزبي العظيم والتحية لسائر الرفاق الذين تابعوا المسيرة وأبقوا الشعلة مضيئة لإكمال الرسالة وتحقيق الأهداف.
محمد حلاوي
عضو قطرية سابقا

New Page 1