Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


كتب المحرر السياسي: الوحدة وملء الفراغ


21-02-2021
قبل ثلاثة وستين عاماً ، كان الامة العربية على موعد مع حدثٍ سياسيٍ كبير ، تجاوزت ارتجاجاته حدود الوطن العربي الكبير الى المحيطين الإقليمي والدولي.
ففي الثاني والعشرين من شباط ١٩٥٨ ،التقت مصر في ظل صعود دورها القومي بقيادة الرئيس عبد الناصر ،مع سوريا في ظل حضور "البعث" ،يوم كان الحزب الأكثر جماهيرية وتأثيراً في الحياة السياسية آنذاك على تعاقد قومي لقيام اول وحدة بين قطرين عربيين مفصليين في معطى الواقع القومي العربي.
هذه الوحدة التي لم يستطع نظامها السياسي الوحدوي ان يصمد اكثر من ثلاث سنوات ، كانت محطة بارزة في مسيرة النضال العربي التحرري.
واذا كان قد قيل كلام كثير في أسباب سقوطها او اسقاطها خاصة تلك المتعلقة بالعوامل الذاتية المرتبطة بإدارة الحكم وبيروقراطيته وتأثير المرجعية الأمنية في إدارة الشأن العام ، وعدم الهيكلة السياسية للمجتع ، بعد حل حزب البعث استجابة لاصرار الرئيس عبد الناصر ظناً منه ان الحماسة الجماهيرية كافية لتأمين حزام امانٍ سياسي للنظام وقد ثبت العكس. فإن العوامل الموضوعية لايمكن اسقاطها من الحسبان في سياق الحديث عن تهاوي هذه التجربة التي كانت تنظر اليها الجماهير بعين الامل.
إن الوحدة هي مطلب جماهيري دائم وهدف تناضل لاجل تحقيقه القوى الوحدوية ،وهذا ماجعل مروحة اعدائها كثر ، يبدأون بالقوى الاستعمارية وربيبتها الحركة الصهيونية وينتهون بقوى الإقليم التي تضمر عداءً تاريخياً ضد العروبة وما بينهما من قوى سياسية عربية ترى في التجزئة مبرراً لوجودها وامتيازاتها السلطوية والاقتصادية.
من لم يعِ أهمية قيام الوحدة العربية على مساحة الوطن العربي الكبير او بعضه كمرحلة أولى ، ماعليه إلا أن يتأمل ملياً في صورة الواقع العربي الحالي الذي ينتابه التمزق السياسي والتفتت المجتمعي ، وادوار قوى التخريب والتدمير الوطني والمجتمعي المحمولة على رافعات التدخل والتغول الدولي والإقليمي .
إن ما كانت الوحدة ترمي تقويضه للارتقاء بالواقع العربي فوق تقسيماته الكيانية ، بات الحفاظ عليه اليوم مطلباً شعبياً ووطنياً في ظل الانهيارات الحاصلة في البنيات الوطنية العربية.لان هذا الذي تشهده الساحة العربية حالياً هو بسبب الفراغ الحاصل في مركز الجذب الأساسي في المكون القومي على مستوى إدارة الحركة السياسية وخاصة مواقع مصر وسوريا وهي القواعد الأساسية لهذا المركز القومي الجاذب .
صحيح ان الوحدة العربية الشاملة بشكل عام ، ووحدة سوريا والعراق بشكل خاص ، كانت حاجة قومية عربية ،لايجاد أرضية صلبة ترتكز عليها الامة في صراعها مع اعدائها المتعددي والمشارب ، الا انها كانت و ستبقى مطلوبة دائمة لتجسيد شخصية الامة القومية في اطار دولة واحدة ،تحتشد وتنصهر فيها طاقات الامة البشرية وامكاناتها الاقتصادية للنهوض بها وفتح افآق التطور والتقدم امام اجيالها.
ان وحدة مصر وسوريا التي يمر ٦٣ عاما، على قيامها ، و٦٠سنه على سقوطها ، سقطت بنيتها السياسية دون ان تسقط الأمال التي تعول على أي عمل وحدوي في الحاضر والمستقبل. لأنه بدون الوحدة لاتستطيع الامة ان تواجه التحديات التي تعترض مسيرتها النهضوية .
ان الامة التي كانت تعيش وضعاً تعبوياً في زمن النهوض القومي الذي كان ابرز نتاجاته وحدة ٥٨ ، تعيش اليوم اياماً عجافاً في ظل واقع التجزئة الذي يندفع نزولاً تحت سقف ماهو قائم.اذ ان الوحدة التي جاءت لترد بالعمق التاريخي رداً جيوسياسياً على مقررات مؤتمر كامبل بانرمان ١٩٠٧ وعلى اتفاقية سايكس بيكو ١٩١٦ ، كانت في توقيتها الزماني تشكل رداً على مبدأ ايزنهاور بملء الفراغ في الشرق الأوسط بعد تهاوي النفوذ البريطاني بالدرجة الأولى والفرنسي بالدرجة الثانية.
هذه الوحدة التي اطرت المشاعر العربية في اطار مشروع سياسي ، وان لم يقيض له الاستمرار طويلاً ،الا انه استطاع ان يحقق الإنجاز القومي الأهم ،وهو الرد بالمشروع القومي على مبدأ ايزنهار بملء الفراغ والذي بفضله اُسقط "حلف بغداد" ،الذي كانت تريده اميركا ان يكون حلفاً اقليمياً ،تتكئ عليه في تنفيذ استراتيجيتها الإقليمية التي كانت وما زالت محكومة بضرورات أمن "إسرائيل"وامن النفط من وجهة النظر الأميركية.
إن "حلف بغداد" الذي لعبت وحدة ٥٨ دوراً هاماً في اسقاطه ، تستحضره اليوم اميركا بحلة وبادوات جديدتين ،في ظل واقع عربي نقيض لما كان سائداً قبل ثلاثة وستين عاماً. فقبل ٦٣سنة ثارت بغداد ضد الحلف الذي اتخذ من عاصمة الرشيد إسماً له. وفي التاريخ ذاته كانت سوريا تلاقي مصر في تحقيق الإنجاز التاريخي. وبهذا الواقع الثوري الذي اختلجت به قاعدتي ارتكاز الهرم العربي عاشت الامة على املٍ ، لم يصل الى مآلاته النهائية بسبب الانهيارات التي اصابت البنيان العربي.
فالمثلث العربي الذي يتم الارتكاز عليه للتأسيس لواقع عربي جديد يوم كان في عصره الذهبي ، هو اليوم في أسوأ وضع يمكن ان تكون فيه هذه المواقع العربية الارتكازية في البنيان القومي.
فمصر التي كانت مصعد العرب في عهدها الناصري ، هي اليوم في الحضيض السياسي ، وبغداد التي انزلت ثورتها في ١٤ تموز راية "حلف بغداد" من ناصية ساحاتها ،وعاشت أيام العزة القومية والانتصار على الشعوبية الفارسية في ظل حكم البعث الذي كان احد صانعي الوحدة ، تعيش اليوم أسوأ الأوضاع السياسية والاجتماعية والتمزق الوطني بسبب الاحتلال الأميركي والتغول الإيراني ، ودمشق التي كانت دائماً طالبة او مطلوبة للعمل الوحدوي، تستبيحها القوى الدولية والإقليمية والقوى المليشيوية من تلك المرتبطة بنظام ولاية الفقيه من إيرانية وعراقية ولبنانية وافغانية وباكستانية ومن يلاقيها من القوى االداعشية لتخريب العراق وسوريا وتغيير تركيبهما الديموغرافي لمصلحة القوى المستقدمة والتي يعمل على توطينها في استحضار لتجربة الاستيطان الصهيوني في فلسطين في تغيير هوية الأرض والشعب .
من يقارن كيف كان حال الامة في عهد دولة الوحدة ، التي شكلت حضناً دافئاً لثورة الجزائر ، ووفرت البيئة والمناخات الذي نمت في ظلالها المقدمات لانطلاقة ثورة فلسطين ، وحال الامة اليوم ، لايتردد كثيراً ولو للحظة واحدة بقول مااحلى الرجوع اليه لانه كان عنواناً للزمن العربي الجميل .
مااحلى الرجوع اي بكل الأخطاء التي رافقت مسيرتها ، لانها بلا شك هي الممر الوحيد لتعود دمشق قلب العروبة النابض ،وبغداد حامية البوابة الشرقية للوطن العربي والقاهرة عاصمة مااخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة.
في ذكرى الوحدة التي كان نشيدها "بلاد العرب اوطاني" تصدح فيه أصوات الجماهير في بغداد والشام فيتردد صداه في وهران وتطوان مطلوب إعادة الاعتبارله اليوم بنفس الحدة التي يطلق فيها شعار "الشعب يريد اسقاط النظام"،اسقاط نظام الاستبداد والتوريث والتأبيد السلطوي والتجزئة والارتهان ، وإقامة النظم التي تحترم إرادة الامة في التغيير وتداول السلطة واطلاق الحريات الديموقراطية التي تمكن الجماهير من ممارسة حرية التعبير وحماية الإنجازات الوطنية واولها الإنجاز الوحدوي.
تحية لمن اخرج الدعوة للوحدة قبل ٦٣سنة من حيز الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل ، وهي وان كانت قصيرة العمر في بنائها السياسي ، الا انها كانت وستبقى تجسد املاً مرتجىً للجماهير العربية ،وهي ستبقى هدفاً ثابتاً لحزب البعث ، حزب الثورة العربية الذي ادرك قيمتها الاعتبارية فأعطاها الارجحية المعنوية في ثلاثية أهدافه ، اهداف الوحدة والحرية والاشتراكية.

New Page 1