Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


جرائم الاغتيال السياسي بين الاتهام والإدانة


12-02-2021

بقلم المحامي حسن بيان

جريمة اغتيال الناشط السياسي لقمان سليم في الرابع من شباط، ليست الجريمة السياسية الوحيدة التي شهدها لبنان، بل هي واحدة من الجرائم التي فاقت المئة والرقم مفتوح إلى الأعلى. والجرائم التي أودت بحياة المستهدفين (بفتح الدال)، لم يكونوا من شريحة واحدة، فمنهم من احترف السياسة، ومنهم من احترف الصحافة والإعلام، ومنهم من عمل بالحقل الأمني، ومنهم من كان منغمساً في مجالات الثقافة والاقتصاد خاصة تلك التي على صلة بالسياسة.
ان الاغتيالات السياسية او ذات الطابع السياسي، تهدف لخلق وقائع جديدة على المسرح السياسي، ويكون تأثير الوقائع قوياً بالقدرمايكون المستهدف مؤثراً في البيئة السياسية والشعبية من موقع "الضد" او من موقع "ال مع" بالنسبة للاتجاهات العامة لهذه البيئة. وجرائم الاغتيال السياسي تنفذ عادة إما بواسطة المفخخات بالآليات أو بالعبوات واما عبر الصليات وكواتم الصوت حسب المعطيات المحيطة بضحايا الاغتيال. وترتفع وتيرة الاغتيالات السياسية عندما يسود الفراغ السياسي في بنية الدولة وتصبح ساحتها في حالة انكشاف عام، حيث لا جدران سياسية تقيها من الاختراق والتسلل ولا سقف سياسياً يوفر مظلة لها تقيها من صواعق القوى الساقطة عليها والمستوطنة فيها.
ان جرائم الاغتيال السياسي ، ليست جرائم عادية كالتي ترتكب في سياقات الحياة العادية ، بل هي جرائم تتميز بكونها تنفذ في سياق صراع سياسي قائم .وفي غالب الأحيان لاتصل التحقيقات في الجرائم السياسية الى مآلاتها النهائية لجهة كشف المنفذين وإصدار الاحكام بحقهم الا ماندر، لان جرائم الاغتيال السياسي هي جرائم منظمة، تخطط لها وتديرها وتنفذها مجموعات منظمة ، وهذه المجموعات تتخذ عادة كل تدابير التحوط لابقاء الغموض يلف مسرح الجريمة لجهة أدوات التنفيذ، وهي التي تشكل طرف الخيط الذي بتتبعه يتم الوصول الى موقع القرار.
من هنا، فان جرائم الاغتيال السياسي وان لم تكتشف أدوات تنفيذها، تذهب بالمتضررين إلى الاتهام السياسي استناداً الى المعطيات التي تربط الجريمة بارضية الموقف السياسي الذي يظلل الوضع السياسي السائد والقوى المتصارعة بمواقفها حيال القضايا التي تتمحور حولها المواقف المتناقضة. وعندما لاتكون الجريمة مشهودة وهي نادرة الحصول إن لم تكن منعدمة في جرائم الاغتيال، فان الأنظار تنشد إلى الاحتمالات أو الفرضيات، وهذه الاحتمالات تدور حول موقع الجريمة، ومن كان على خلاف سياسي مع المستهدف من عملية الاغتيال، ومن هو المستفيد من تغييبه عن مسرح الحياة السياسية. وهذه الاحتمالات تطرح عادة عندما تكون الجريمة عادية ولا يعرف منفذها، فكيف إذا كانت الجريمة سياسية؟
إن الاتهام بالسياسة لجريمة ارتكبت وذات طبيعة سياسية لا ينطوي على إدانة وفق المعايير القانونية، لان هناك فرق بين الاتهام والإدانة عملاً بالقاعدة القانونية العامة، "المتهم بريء حتى تثبت ادانته". وبذات المقاييس، فإن الدفع والدفاع بالسياسة من قبل المتهم لايعني انه بريء من جريمةً اتهم بها. ولهذا، فإن من يعتبر نفسه بريئاً من جرم متهم به بالسياسة، ويكون رده بالدفع السياسي فهو كالمتهِم (بكسر الهاء) بالسياسة كونه ينطلق في دفاعه ورد التهمة عنه من رزمة احتمالات مضادة، وقاعدة الاحتمالات لا تشكل دليلاً حاسماً للإدانة أو للبراءة.
عندما تقع جريمة ذات طابع سياسي، فإنه من الطبيعي جداً ان يوجه الاتهام بالسياسة، وفي هذه الحالة فإن الاتهام بالسياسة مشروع، وهو يبقى قائماً الى أن تثبت الأدلة المادية عكس ذلك .فإذا كُشفت الجريمة بمقرريها ومحرضيها ومنفيذها ،تسقط حينئذٍ حجية الاتهام بالسياسة ويصدر الحكم بالادانة للجهة التي ارتكبت الفعل الجرمي، لأن الدليل يسقط الاحتمال، أما اذا لم تعرف الجهة التي قررت وخططت ونفذت للجريمة وبقيت مجهلة عمداً او قصوراً فإن الاتهام السياسي يبقى قائماً، وهذه الديمومة للاتهام لاتستمر فقط لكون ان فاعل الجريمة التي ارتكبت في ظل مناخ سياسي معين لم يعرف، بل أيضاً، لأن الجريمة السياسية تتحول الى قضية رأي عام وهذا هو مصدر قوتها .
ان هذا ينطبق على جريمة اغتيال الناشط السياسي لقمان سليم، كما على كل جريمة سياسية أخرى يرتكبها هذا الطرف أو ذاك، خاصة في ساحة باتت أسيرة الانشطارات العامودية ومثقلة بأعباء أدوار لا تستطيع تحمل أثقالها. وعندما ينكشف الامن الوطني وتسقط الحصانات الوطنية وتستباح الحرمات وتنهتك الحريات الشخصية والعامة، لا غرابة أن تدفع الأثمان من كل الذين يقفون على أرضية سياسية حبلى بالمتناقضات والمشاريع السياسية المتصادمة، وهذا بات مكلفاً جداً خاصة في ظل الانسداد السياسي القائم والازمة الاقتصادية المعيشية الخانقة والجائحة القاتلة. وكفى.

New Page 1