Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


صدام حسين قضية حياة لا تموت


29-12-2020
بقلم طارق العربي - لبنان
تأتي الذكرى الرابعة عشرة لغياب صدام حسين بما هو مركب مادي اي غيابه كجسد فيزيولوجي من طبيعة محدودة في قياسات الزمن ، وهذه مسألة قدرية حاكمة لكل مخلوق بشري من حيث محدودية المساحة الزمنية لعمر الانسان . كثيرون من الناس تنطوي رحلة حياتهم مع الموت ويدخلون عالم النسيان ، في حين قلة من الناس يستمرون بعد الموت في حياة متجددة ، حياة تحاكي القيم التي نشأوا عليها والمبادئ السامية التي اعتنقوها ، والمواقف المفعمة بالشجاعة والثبات التي سجلوها والتي باتت عناوين لتجربة شخصية نابضة في التجدد والانبعاث تبقى عصية على الموت والعدمية .
صدام حسين قضية رباعية الأبعاد جمعت بين أربع قضايا متلازمة متداخلة متكاملة ، وهي قضايا : البعث ، الأمة العربية ، العراق ، فلسطين.
١ - صدام حسين والبعث :
منذ مطلع شبابه انخرط في صفوف البعث ، وراح يتدرج في استلهام العقيدة العربية الثورية ، فكان المناضل الصلب في الدفاع عن الحزب وفي توسيع حركة انتشاره ، وراح يتدرج في مراتبه القيادية وصولا لتبوئه المرتبة القيادية الأعلى كأمين عام ، حيث أسهم في تطوير البنيان الحزبي تنظيميا وفكريا وثوريا.
كان صدام حسين أمينا لمبادىء البعث ومؤمنا بعقيدته الثورية بوصفه رافعة نهضوية للأمة العربية وتقدمها عبر ثلاثية مرتكزاتها الوحدة والحرية والاشتراكية.
٢ - صدام حسين والأمة العربية:
كان صدام حسين مؤمنا بعمق بخصوصية الأمة العربية من حيث هي حقيقة تاريخية ، وهوية ثقافية ، ورسالة انسانية .
فهذه الأمة كان لها اسهامات حضارية مجيدة أغنت بها العالم عبر محطات تاريخية عديدة . كانت هذه الأمة مستهدفة من قوى خارجية استعمارية وشعوبية حاقدة ، كل ذلك من أجل التحكم بموقعها الجيواستراتيجي من جهة، والاستئثار بمخزوناتها من الثروات الطبيعية من جهة ثانية، والحؤول دون تحقيق وحدتها كأمة واحدة يمكنها ان تكون أمة قطبية على مستوى العالم من جهة ثالثة. كان صدام حسين قد مارس الالتزام بقضية الأمة العربية في غير موقف ومناسبة ، في القمم العربية ، في مساعيه لحل النزاعات العربية- العربية، في دعواته الدائمة لانشاء مؤسسات اقتصادية تكاملية تفضي الى الوحدة الاقتصادية العربية ، وكذلك الى طروحاته في غير مناسبة الى وحدة الأمن القومي العربي كمشروع استراتيجي لحماية الأمة من الاختراقات الأجنبية الدولية والأقليمية.
٣- صدام حسين وفلسطين :
جعل صدام حسين فلسطين كأولوية قدمها على سائر القضايا القومية الأخرى ، فهو كان يدرك أهمية الموقع الفلسطيني كنقطة ارتكاز في عملية التوحد العربي وقيام الوحدة العربية. ربط صدام حسين بقوة بين تحرير فلسطين وتحرير المجال العربي وتوحيده ، فقد رأى أنه بمقدار ما نتقدم على طريق تحرير فلسطين بمقدار ما نتقدم على طريق الوحدة العربية ، وبالمقابل بمقدار السير على طريق الوحدة العربية يكون مقدار السير على طريق تحرير فلسطين واستعادة عروبتها.
٤- صدام حسين والعراق:
رأى صدام حسين أن العراق كجغرافية جيوسياسية وحضارية تاريخية وثروات اقتصادية ، هو بمثابة نقطة الارتكاز في البناء القومي من جهة، وفي موقعه كجدار ممانع او جدار صد لكل محاولات الاختراق الخارجي للمجال القومي العربي برمته. فالعراق هو بمثابة البوابة الشرقية للوطن العربي الكبير من الخليج العربي شرقا الى المحيط الأطلسي غربا. تاريخيا كانت الهجمات الغازية للمجال العربي تبدأ من الشرق ولم تتمكن من تحقيق سيطرتها على هذا المجال الا بعد اخضاع العراق اولا لتدخل بعد ذلك الى العمق العربي ، تماما كما حصل بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ ، حيث كان اسقاط العراق مقدمة لاسقاط سائر الأقطار العربية الأخرى من خلال ما شهده غير قطر عربي من حروب أهلية مفتوحة أطاحت بالدولة المركزية وافضت الى سقوط مجتمع الدولة ، وفتحت هذه الأخيرة على ظهور جغرافيات سياسية جديدة عبر صيغ فدرالية او كونفدرالية على أسس مذهبية وعرقية ومناطقية تبقى في نزاعات وحروب لا نهاية لها.
لذلك ، صمم صدام حسين على بناء العراق دولة وطنية تجاوزت في تطورها العلمي والصناعي والتكنولوجي سائر دول العالم الثالث أو الدول النامية ، حتى أنه راح ينافس الدول المتقدمة الغربية منها والشرقية.
هذه القضايا الأربع جعلت من صدام حسين قضية مستهدفة من قبل دولة الامبريالية الأمريكية وما يتبعها من قوى غربية استعمارية وصهيونية ومعها أذنابها من الرجعية العربية المتخلفة.
ظل صدام حسين وحتى في لحظة وقوفه الأخيرة متحديا مجرمي البيت الأسود الأميركي وذيولهم من عملاء الشعوبية الحاقدة تاريخيا على العراق والأمة العربية ، ظل يردد بشجاعة المنتصر في التاريخ أبدا ، يحيا البعث ، تحيا الأمة العربية ، عاشت فلسطين حرة عربية ، العراق سينتصر ، العراق سينتصر.
خسىء الاستعماريون والعملاء ، ظنوا ان صدام حسين انتهى كوجود مادي ، لكنهم لم يدركوا انه دخل الى حياة على مستويين اثنين ، المستوى الدنيوي فهو خالد في عقيدة البعث الذي لا يموت، وفي رسالة الأمة العربية الخالدة التي خصت بأنسنة العالم وبمنحه الفضيلة والحرية والعدالة والسلام ، والمستوى الأخروي فهو خالد بروحه الزكية في جنان النعيم الأبدي الى جانب رفاق العقيدة المقدمين عند الله ميشيل عفلق ، أحمد حسن البكر ، عزة ابراهيم ، طارق عزيز ، طه ياسين رمضان ، عبد المجيد الرافعي ، وغيرهم الكثير الكثير من الشهداء والقادة الأبرار .
في ذكراك الرابعة عشرة نم قرير العين أيها الفارس العربي ، أيها المخزون بالعروبة هوية حضارية ، أيها الابن البار للأمة العربية ، أمة الأنبياء والرسالة الخالدة ، نم قرير العين في خلودك الأبدي ، وكن مطمئنا الى أن أرضنا العربية ستبقى عذراء ما دام شباب للبعث اوفياء ، وما دام العشب الأخضر ينبت من أضرحة الشهداء.

New Page 1