Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


إلى روح فقيد الأمة عزة إبراهيم الموتُ يستأذنك ليمرَّ على الجسد:


11-11-2020
حين يتعاملُ الموتُ مع الخالدين يفقد كثيراً من قدرته على السيطرة، فيحاول إنهاء الحياة فيخذله الخلود، خلودُ أولئك الذين يصنعون الحياةَ بموتهم، وحين يعيى يستأذن الخالدين ليمرّ على أجسادهم فقط، فيقولون له: خذ الجسد "إنَّ الخلود متاعٌ سعرُهُ الجسدُ". وها أنت تسير في مواكب الخالدين يا أبا أحمد، فالموت لم يهدم فيك سوى هيكل الطين. وها روحك تجمع العراق في يومك، وتعمل مع المناضلين ليظل العراق عربيَّ الوجه واليد واللسانِ، ولمنع الفرات ودجلة أن يصُبَّا في المسسيبّي، لن يخلو مكانك منك، لأنّ الذي يعيش في القضية التي مات من أجلها لا يستطيع الموتُ أن يدنو من الراية التي كان يرفعها، والتي ظلت مرفوعة في يدك العالية حتى الرمق الأخير، وها هي تمتدّ إلى زند عراقي يتحول جسراً ليعبر عليه الشهداء صانعي العراق العربي العنيد. بموتك هذا ستمارس صنع الحياة في الموت.
لقد رصدوا عشرات الملايين لكي يصلوا إليك، لكي يصلوا إلى جسدك النحيل، لقد أعيتْهم السُبُل، كان جسدك النحيل أثقل من ملايينهم وأثقلَ من أسلحتهم وأثقلَ من كل ما كان في أيدي أعداء العراق من أسلحة. لقد انتصر الجسد النحيل على كل ما يمسُّ إيمانه وعقيدته. لقد تآمروا على العراق العربي العظيم، ولكن دماء العراقيين الأبطال قالت: لا. وهذا طبع العراقي حين تُمَسُّ محارمُه، فإنه " مين يحب يفنى ولا غاصب يمس محبوبتا"، العراقي بطبعه وبتكوينه يموت لتحيا محارمه وتبقى مصونة.. لقد ظللتَ أنت ورفاقك صامدين في مواقع الجهاد والمقاومة، وكنتم حيث يكون العراق، وحين يكون المناضل موجوداً حيث يكون وطنه، فإنه لن يندحر، ولن يتراجع، وكيف يندحر ويتراجع، وهو جزء من جغرافية هذا الوطن، من جغرافيته المكانية والجسدية والفكرية. نعم من أبناء الوطن تتكون الجغرافية والتاريخ والوجود. وتتكون حقيقة الوطن. يموت الشهيد، وفي حقيقته يكون عائداً إلى حضن أمته ذات الرسالة الخالدة.
لن يصلوا إليك يا أبا أحمد حياً وميتاً، لأنهم لن يصلوا إلى العراق، لقد ظللت شاهقاً وظلوا على سفحك يلهثون بوهن وصَغار. أنت لم تخلع العراق حياً وميتاً، ولم تخنه أبداً، لأن من يخون وطنه فإنه يخون كينونته، كما قال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب: "إنْ خانَ معنى أن يكونَ، فكيف يمكنُ أن يكون؟". ستبقى شاهقاً ولو غَيَّبَكَ التراب. يا أبا أحمد أنت من الرجال الذين لبسوا أعمارنا وراحوا، لبسوا الأرض وراحوا، وكيف يموت من يلبس عمرغيره بمبادئه وعمر أرضه. أنت يا أبا أحمد من أولئك الذين عبروا النهر لكي تجري الحياة. إن أعمار الشهداء طويلةٌ كأعمار الأنهار، ولذا تختلف الأعمار من ميتٍ لميت. إن بعض الناس حياتهم كمماتهم، وبعضهم أحياء وهم ميتون، لأنهم من حب شعبهم يُرزَقون. لقد ثبت لنا أنّ الشهداء لم يصرعوا بالردى لكنهم رقدوا. لقد علّمَنا الشهداء أن نحفر لهم قبوراً في صدورنا، ولذا هم فينا باستمرار، والشهداء مثل الفصول ولا ينمو فيهم إلاّ الأرض، لأنهم فصولها. والموت لا يعيش أكثر من ساعةٍ في أعمار الخالدين، وعندما يلبسه الشهيد صاعداً للجلجلة.
الآن بغداد تسير في جنازتك يا أبا أحمد لابسة نخيل العراق، وعلى الضفتين ألفُ صقر قريش جديد ينظر إلى الضفة الثانية ليرى أخاه القتيل، وألفُ هاشمية تصيح وامعتصماه. وأسمى الجنائز حين يكون النعش أعلى من كل السائرين وراءه، والنعش أحياناً يكون قلوب الناس يا أبا أحمد الراحل فينا وإلى أعماقنا.
يا أبا أحمد العراق اليوم يمشي في جنازتك، لأنك سترى أولئك الذين عبروا ولا يزال النهر فيهم والنخيل، سيسألونك وسيعرفون من يدك التي أسلمت الراية لشهيد يأتي أن العراق سينتصر. ولكنّا نرجوك ألاّ تخبرهم كيف تصالح القاتل والقتيل، بل أخبرهم عن أولئك الذين ما زالوا ينتظرون دورهم في الشهادة لصناعة وطنٍ جميل.
تحية لروحك الخالدة يا أبا أحمد.

New Page 1