Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


التربية في ظل العولمة


08-10-2020
التربية في ظل العولمة
د.سالم سرية

قبل ان يظهر التلفاز للوجود كان الاب والام (العائلة) هما الموجه التربوي الوحيد للابناء, ثم اصبح التلفاز يسمى الاب الثاني الذي له توجيهاته من خلال برامجه ومسلسلاته الفنيه والثقافيه المتنوعه وبذلك اصبحت ذهنية الابناء تصاغ من خلال البيت والتلفاز والمجتمع. ومع ظهور الملتميديا - انترنت هواتف ذكية, اجهزة الكترونية ... الخ, تضاءل دور الاب في التوجيه واصبح دوره ثانويا واصبح مرغما على ان يطور نفسه من الناحية التقنية ويواكب العصر حتى يستطيع ان يستطلع معالم الخريطة النفسية والفكرية لابناءه. واذا تباطأ في ذلك وهذا ما يحدث فعلا عندئذ يصبح الابن في واد والابناء في واد اخر و تتقولب اذهانهم بناء على هذا السيل الجارف من المعلومات والافكار المرئية والمسموعة, ويصبح الاب متخلفا في نظر ابناءه لان الفجوه قد اصبحت تتسع يوما بعد يوم لدرجة ان الاب يصبح عاجزا عن تفسير سلوكيات ابناءه وتصرفاتهم .فتسريحة الشعر اصبحت مختلفه وانواع العطور لها اول وليس لها اخر والملابس الغريبه المرتبطه بالموضه حدث عنها ولاحرج .اي بكلمه مختصرة اصبح الابناء مدمنين على الاستهلاك لا بل يجدون لذه ومتعه وفنونا بكيفية الاستهلاك والتبذير بشكل يفوق امكانيات الاهل الماديه.ان ثقافة الادمان على الاستهلاك اصبحت سمه عصر العولمه التي تغذي وتعزز نزعه الشراء وحب الاقتناء. ان الحضاره الالكترونيه قد اصبحت تفرخ كل يوم هواتف خلويه جديده واجهزه الكترونيه حديثه باهظه الثمن يرغم الاهل على شرائها .وقد شاهدت في قاعة الدراسه كيف ان العديد من الطلبه يحملون معهم هاتفين او ثلاثة هواتف ؟؟؟نعم ثلاثه هواتف ... لماذا لست ادري.فهناك مباراة ومنافسه لا تتوقف بين الطلبه حول نوع الهواتف التي يحملوها معهم ونوع الاغاني التي يسمعوها اضافة الى احدث الافلام التي يشاهدونها واخر اخبار المباريات بين مدريد وبرشلونه. انني نادرا ما سمعت حورا موضوعيا بين الطلبه حول قضية علمية او اجتماعيه تستحق النقاش بينما الصراخ والمزاح والمناكفه حول ابطال كرة القدم ونتائج المباريات انما تخترق طبلة اذني في كل اروقة الجامعة وبعض الاحيان افاجأ بقسم منهم يسألوني قبل بداية المحاضرة عن الفريق الذي اشجعه.
كل ذلك من نتائج العولمه الثقافيه والفكريه التي تسللت الى بيوتنا وخلايا دماغ اطفالنا بارادتنا او رغما عنا .لذلك اصبح من الطبيعي جدا ان يلهث الاب مستفسرا من ابناءه عن نوع الجهاز الالكتروني الذي يود شراءه – هاتف, تلفاز, غسالة ... الخ. باعتبار ان الابناء يواكبون التكنولوجيا يوما بيوم.
والسؤال الذي يطرح نفسه في كل ما ورد اعلاه هو كيف يمكن ان يتم تقويم سلوك الابناء على الصعيد العلمي و الاجتماعي والاخلاقي من قبل العائلة في ظل هذه المعطيات.انه فعلا سؤال صعب والاجابة عليه اكثر صعوبه.
ان معظم الأباء يجهلون الحقيقة العلميه الثابته في علم نفس الطفوله والمراهقه, وهي ان السنوات الاربع او الخمس الاولى في حياة الطفل انما يتردد صداها في السنوات القادمة في حياة الانسان لانها تعتبر السنوات الحرجة. فكما للحيوان سنوات او ايام حرجة فللانسان كذلك. ان التجارب النفسية التي اجريت على القطط والكلاب وغيرها, اظهرت ان القطة اذا عزلت عن امها لايام محددة ضمن السن الحرج واعيدت اليها, تصبح في المستقبل خائفة من الفأر, وتهرب منه بدلا من ان تطارده.
ان كل واحد منا قد ينسى امورا كثيره تمر في حياته قد مضى عليها سنه او سنتين ولكن ذكريات الطفوله بحلوها ومرها لا يمكن نسيانها رغم مرور عشرات السنين.
ان تربية الطفل خلال السنوات الحرجه إما ان تنحوباتجاه الدلال المفرط نتيجه للحب المفرط أو القساوة المفرطة اعتقادا ان ذلك يمكن ان يقوم الاعوجاج التربوي منذ الصغر.. وكل اسلوب منهما يصنع انسانا اخر في المستقبل, حين يواجه مصاعب الحياة الاقتصادية أو العلمية او الاجتماعية , فالدلال المفرط يخلق انسانا اتكاليا, استحواذيا, وليس خلاقا. واذا انقطعت المنابع الماديه التوفير احتياجاته في مرحلة المراهقه كما كانت توفر له في مرحلة الطفوله فأنه لن يتردد بالسلوك الغير شرعي للحصول على احتياجاته مهما تكن النتائج.
كما ان القساوة المفرطة في التربيه من قبل الاهل اواحد افراد عائلته انما تخلق انسانا حاقدا على المجتمع وعلى نفسه . وعندما يبلغ سن الرشد يسقط القساوة على الاخرين, بصيغة او باخرى , ويكون الاجرام احد مسالكه لان المجرم يشعر بينه وبين نفسه انه مظلوم ومكروه من الاخرين .وقد لوحظ ان البطش والساديه في ممارسات العديد من الملوك والرؤساء في التاريخ الانساني انما كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ طفولتهم.كما ان العنف الاسري والعنف الذي تتعرض له المرأة في مجتمعنا هذه الايام انما يقع في نفس السياق كذلك دون ان ننفي طبعاارتباط ذلك بالعوامل الاقصاديه والاجتماعيه .
اذن تبرز هنا الصعوبة والاشكاليه التربوية الكبرى امام الاهل, وهي كيفية الموازنة بين الحنان والحزم, وبين التشجيع والتأنيب. فالتشجيع المتواصل يعزز الثقة بالنفس, والتأنيب المتواصل يحطم الفرد ويحبطه. يضاف الى كل ذلك مسألة اخرى وهي ان الاب الذي جعل ابنه يعتاد منذ الصغر على مشاهدة افلام الكرتون, والالعاب الالكترونية بكثره انما بذلك جعله ينمو عاشقا للملتميديا وكارها للكتاب وبعيدا عن القراءة.ان عدم الرغبه في تصفح الكتاب تظهر للعيان حين يصبح الابن في المرحلة الثانوية و الجامعية. فالطفل الذي عشق الملتميديا منذ الصغر انما يستمر بعشقها عندما يكبر وبالتالي لا يجد رغبه في تناول الكتاب وقراءته الا مرغما. .بينما الطفل الذي ترعرع في عائله تحب المطالعه وتزخر غرفها بالكتب انما ينشأ عاشقا للكتاب والمطالعه لذلك تراه يعتمد على نفسه في الدراسه ويحصل معدلا اعلى في الثانوية والجامعة.
ان السلوك العدواني للطالب الجامعي او الثانوي تجاه زملاءه ومدرسيه, وبالاخص الطالب الفاشل انما ذلك محصله طبيعيه للنمط التربوي الذي تلقاه من مصادر التوجيه وهي البيت والبيئه الاجتماعية ومعطيات العولمه الهدامه.
. فكم من طالب هدد مدرسيه بالقتل, اذا لم ينجح.لقد شاهدت بأم عيني كيف تم اغتيال العديد من الاساتذة على يد طلبتهم بعد احتلال بغداد لأسباب دراسيه وليس لاسباب سياسيه ابدا لان قسم كبير ممن اعرفهم لم يكن لهم علاقه بالسياسه ابدا لا من قريب ولا من بعيد بل كان ذلك أنتقاما أسودا رمى بظلاله على تلك النفوس المريضه الفاشله . علما ان هذه الظاهرة منتشرة في العديد من دول العالم, حيث يدفع الاستاذ الجامعي حياته وسمعته ثمنا للنزاهة العلمية وثمنا للرساله التاريخيه التي انيطت به لبناء قادة المستقبل.
ان ظاهرة السلوك العدواني للطلبه و التي تطفو على السطح هذه الايام انما هي مرتبطه بشكل وثيق بالفشل الدراسي. وأن ظاهرة الانحراف السلوكي نتيجة الصعوبات العلمية التي يواجهها الطالب, كذلك لا يمكن عزلها عن بيئة المجتمع اضافة لدور العائلة السابق ذكره.
فالنجاح الدراسي له قيمة اجتماعية كبيرة بين الاهل والاقارب الذين يفرحون لفرح ابنهم خاصة عند حصوله على الثانويه العامه او عند لحظة التخرج من الجامعه. لان ذلك مثار اعتزاز وفخر لجهود الاب والام في وصول ابنهما الى هذه المرحلة. والفشل الدراسي يمثل نقيض ذلك.
ان الحصن القوي والمنيع بوجه العولمة الهدامة, هو العودة الى التراث والى الدين. الى قيم الاجداد والقيم السماوية التي تنهي عن الفحشاء والمنكر, وتعزز الضمير الاخلاقي المرتبط بشرائع الخالق عز وجل. تلك هي الحماية الذاتية المطلوبة, التي لا تعني الانغلاق والتقوقع والتزمت, بل تعني الانفتاح على معطيات العولمة الايجابية. فالانترنت سلاح ذو حدين, منها يمكن ان تستقي كل ما هو مفيد ويرضي الله ورسوله ويوسع افاق رؤيتنا للعالم الذي حولنا ومنها ماهو مدمر للقيم والاخلاق والتقاليد العربيه والاسلاميه. . فالاب لا يمكن ولا يستطيع ان يلاحق خطوات ابنائه على الانترنت او الصفحات والمواقع التي دخلوها مهما اوتي من امكانيات تقنيه ولكن يمكن لبعض برامج الحمايه الاسريه التي يوفرها مزود الانترنت مع برامج اخرى ان توفر بعض الحمايه المطلوبه.ولكن الاهم من ذلك ان يبني الاب اواصر الثقة والمحبة مع ابناءه من خلال الحوار والارشاد وتعزيز القيم الدينية في نفوسهم , لان الله يراقبنا اذا اسأنا أو اخطأنا. وعندئذ يتعزز الضمير الذاتي كصمام أمان, نتجنب عثرات العولمة وجانبها المظلم والسيء.

New Page 1