Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


ملاحظات قيادة القطر لحزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر حول التعديل الدستوري لسنة 2020

المحرر
08-06-2020

لم تستقر الجزائر منذ الاستقلال عام 1962م على دستور واحد، بدءا بدستور 1963م، ودستور 1976م إلى دستور 1989م، بعدها جنحت الجزائر إلى إجراء تعديلات دستورية متوالية.
الأسباب الموجبة لوجود هذه الدساتير أو تعديلها بعضها موضوعي، والأخر غير ذلك. فالموضوعي منها أن مرحلة 1963م غير مرحلة 1976م، وغير مرحلة 1989م، بسبب وجود متغيرات كبيرة : سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فجاءت الدساتير لتتفاعل مع تلك المتغيرات، أما غير الموضوعي فهو التعديل لدستور 2008م الذي عدل دون مبرر ليلغي نظام العهدتين للسماح للرئيس بوتفليقة للحكم أطول مدة ممكنة والتي ألغيت في تعديل 2016م.
أما التعديل الدستوري لسنة 2020م الذي هو محل النقاش اليوم فجاء أيضا ردا على المتغيرات التي شهدتها الساحة بعد فترة بوتفليقة الطويلة وتراكماتها السياسية والاقتصادية وإفرازاتها الاجتماعية السلبية، والمطالب التي جاء بها الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس بوتفليقة ونظامه الفاسد.
كان الشعب الجزائري ونحن جزء منه كبعثيين يتطلع إلى تغييرات جذرية في فلسفة الحكم والدولة وتوجهاتها الإستراتيجية في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية ومطالب الحراك الشعبي، إلا أننا بعد قراءة مسودة الدستور فإننا وجدنا التعديلات بسيطة ومحدودة لا تلبي طموحات الشعب الجزائري رغم أنها مست نسبة كبيرة من البنود في شكل إعادة صياغة أو دمج أو إلغاء، باستثناء الديباجة التي جاءت مرتبكة بسبب الترجمة الركيكة في صياغتها وأسلوبها، في وقت أن الديباجة مهمة جدا في الدساتير، فهي التي تعمل على تكريس الهوية بتحديد شخصيتها الوطنية واللغة وكل الرموز السيادية، وتمهد للقوانين فيما بعد، وعليه كان من الواجب أن تكون الديباجة مصاغة صياغة فلسفية عميقة مقنعة بالأدلة والشواهد التاريخية، والإفرازات الدولية والأحداث الإقليمية، تعبر عن واقع الشعب الجزائري الذي تأثر سلبا بمرحلة الاحتلال الفرنسي طيلة 130 سنة الذي عمل على زعزعة وحدة الشعب الجزائري الاجتماعية والثقافية وزرع بذور الشك في هذه الوحدة التي صهرها الإسلام منذ 14 قرن، وأنتج منها ظهور مجتمع متجانس ومتلاحم، عبر الاندماج الكلي في بوتقة واحدة، يعتز بماضيه، ويعيش حاضره ويتطلع إلى مستقبله في ظل خيار حضاري عربي إسلامي.
فالمتغيرات التي تمت داخل المجتمع الجزائري مهمة يجب أخذها في الحسبان كنمو طبيعي وتزايد الطبقة المثقفة، والتنافس السياسي، والتحديات الخارجية والمتغيرات الدولية التي تتطلب من الدولة الجزائرية العمل على استيعابها وتحليلها، واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية الجزائر من تأثيراتها السلبية لبناء جزائر قوية ومهابة، ومع ذلك نثمن ما جاء في الديباجة حول الهوية إذ أكد مرة أخرى على ما جاء في الدساتير السابقة حول الهوية الوطنية العربية من خلال عروبة المغرب العربي والانتماء الحضاري العربي الكبير بكل مكوناته الثقافية واحترام هذه المكونات، كما نسجل وبشكل ايجابي أيضا التأكيد على وطنية ورسمية اللغة العربية، ولغة للدولة الجزائرية ودعمها وتطويرها.
أما فيما يخص اعتبار اللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية والتنصيص عليها في الدستور يرى حزب البعث العربي الاشتراكي أنها لا تعكس واقعا مجتمعيا، وبالتالي لا يمكن ترسيم لهجة على حساب اللهجات الأخرى.
بالنسبة للتربية الوطنية فمن الضروري التنصيص عليها في الدستور بنص واضح يخرجها من التلاعب، لأن التربية مهمة جدا في تنشئة الأجيال وتوحيد ثقافتها وتوجهاتها لبناء مجتمع موحد ومندمج.
أما بقية البنود الواردة في التعديل والتي لها علاقة بطبيعة الحكم فلنا عليها ملاحظات كثيرة منها :
1- التأكيد على اعتماد النظام الشبه الرئاسي.
بالنظر إلى ما جاء في هذه الفقرة فإننا لم نجد جديدا مضافا بعلاقة الرئيس برئيس الحكومة أو البرلمان، كما أن واضعي الدستور تجاهلوا بالتأكيد طبيعة النظام الشبه رئاسي الذي يقوم على توازن دقيق ما بين صلاحيات الرئيس ورئيس الحكومة أو رئيس الوزراء، الذي يعين من طرف حزب الأغلبية أو المتفق عليه في البرلمان، وله صلاحيات بتشكيل الحكومة، والتصرف الكامل في الأمور الداخلية للدولة من خلال إدارة الحكومة، وأمام المسؤولية المباشرة للبرلمان، بينما التعديل تجاهل هذه الحقائق وأكد على السلوك السابق للرئيس في علاقته مع رئيس الحكومة (استشارة حزب الأغلبية والبرلمان).
فالنظام الشبه الرئاسي المعمول به في بعض الدول واضح في تحديد المسؤوليات ما بين الرئيس ورئيس الحكومة والبرلمان وعليه نقول أننا في الجزائر أمام حكم رئاسي وبدون قواعد تحكم النظام الرئاسي.
2- الحريات :
إن ما جاء في الوثيقة هو تكرار لما جاء في الدساتير السابقة بدءا بدستور 1989م وما تلاه، باستثناءات بسيطة، فالوثيقة تجاهلت مسألة الديمقراطية والتناوب السلمي على السلطة وتجاهلت الدور السياسي للمجتمع المدني والأحزاب في تأطير المجتمع والمساهمة في إدارة الدولة، فالمطلوب إقرار مادة خاصة بنشأة الأحزاب ودورها في الحياة السياسية للبلاد، والأسس العقائدية التي تقوم عليها دون إقصاء للتيارات الفكرية المعروفة على الساحة الوطنية والعالمية، واستقلالية الأحزاب السياسية عن النظام ويكون النظام هو انعكاس للأحزاب وليس العكس.
المفروض أن اعتماد الأحزاب يكون دون قيود، الأحزاب تحاسب على مشاريعها ونظامها الداخلي واحترامها للوحدة الوطنية والرموز السيادية ولغة الدولة ووحدة المجتمع وسلوكها أمام القانون العام، ومشكل فشل الأحزاب اليوم في أداء دورها، هو بسبب إفراغ النظام لهذه الأحزاب من عقائدها الفكرية والإيديولوجية، فتحولت إلى هياكل دون روح، وعليه فإننا إذا لم نتعامل مع هذا الموضوع بجدية فإننا يمكن القول أن مسألة التعددية في الجزائر ما تزال غير موجودة والموجود منها هو شكلي ولا يخدم تطور الدولة والمجتمع، والعالم المتقدم سيعامل الجزائر على أساس هذه القاعدة.
3- مسألة تعيين نائب للرئيس وعزله :
إن كان هذا الموضوع يقصد به تدعيم عمل الدولة وخاصة الرئاسة، فيجب ان يرشح مع الرئيس منذ البداية ويصوت عليه الشعب حتى يستطيع إكمال العهدة في حالة وجود فراغ دستوري، فكيف يمارس هذه الصلاحيات وهو معين، والخوف أيضا أن هذا التعيين يمكن أن يكون تهيئة لرئيس جديد على حساب الانتخابات الحرة والشفافة، أو بمعنى أخر دعاية انتخابية مسبقة على حساب المرشحين الآخرين.
4- الإشارة إلى إمكانية منح صلاحيات خاصة ببعض البلديات، وهي إشارة غامضة، ويتناقض مبدئيا مع النظام المركزي، وعليه إما أن يكون النظام مركزيا أو لا مركزيا.
5- مسألة رفع المنع عن مزدوجي الجنسية في تسلم الوظائف السامية في الدولة، هذه مسألة خطيرة ومرفوضة، والبعث يرفض الولاء السياسي المزدوج في الدولة.
6- خروج الجيش خارج الحدود، لا يكون إلا في حالة الدفاع عن المصلحة العليا الوطنية والعربية والتي لها علاقة بالأمن الوطني.
7- بالنسبة للحقوق السياسية للمرأة، يرفض البعث نظام الكوطات في المجالس المنتخبة، ويؤكد على اعتماد نظام الانتخاب، ويشجع انخراط المرأة في العمل السياسي والنقابي والجمعوي.

أ.د. احمد شوتري
قيادة القطر الجزائر
في 02/06/2020 م

New Page 1