Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


الانتفاضة والإسقاط الأخلاقي للسلطة


02-06-2020


أشهر عجاف مرت على اللبنانيين منذ انطلقت الانتفاضة في السابع عشر من تشرين الأول ٢٠١٩، وأشدها وقعاً تمثل بانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وتفشي فيروس كورونا. وكلا الأمرين انعكسا على الواقع المعيشي، بعد الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات، ونظام العزل الذي فرض لتدارك انتشار الوباء، والذي أدى إلى إقفال المؤسسات وتوقف العمل في كثير من المجالات والميادين. وكانت أكثر الفئات تضرراً، الذين انقطعت سبل عملهم وخاصة المياومين منهم وصغار الكسبة، كما أصحاب الدخل المحدود الذين تآكلت القدرة الشرائية لديهم.
إن هذا الواقع المعاش يتواصل فصولاً، لأنه بغض النظر عن طارئ كورونا، الذي شكل عبئاً إضافياً ولم تكن تأثيراته حكراً على ساحة لبنان، فإن الأزمة السياسية التي انفجرت في خريف العام الماضي، ما تزال أسبابها قائمة، وإن كانت تدار بحكومة جديدة، هي نسخة مستنسخة عن سابقاتها، كونها أنتجت بنفس الآليات، وتتشكل عملياً من بعض قوى المنظومة السلطوية التي حكمت البلد منذ ثلاثة عقود وأدت تراكمات أدائها السياسي والاقتصادي إلى جعل لبنان يدخل مرحلة الانهيار المالي. وبالتالي إن إقدام القوى المشاركة حالياً في الحكم، وفي ظل الوصاية المفروضة عليه، نفض يدها من تداعيات الأزمة وانعكاساتها، هو قول مردود على أصحابه، لأن خبز الحكومة الحالية هو من عجينة النظام، الذي تحكمت بمفاصل الدولة فيه، قوى المحاصصة الطائفية، والحاكمون حالياً هم جزء أساسي من هذه القوى. ولو لم تكن التركيبة السلطوية الحالية، هي على شاكلة من سبقها، لما كانت الرؤية التي قدمتها الحكومة الحالية، واعتبرتها خطة إنقاذيه، انطوت على نفس الأفكار التي تضمنتها ما سمي بالورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة السابقة عشية استقالتها. وعندما استعجلت الحكومة وضع خطتها، التي قدمتها للرأي العام والمؤسسات والهيئات الدولية التي تطلب مساعدتها، تبين أن هذه الخطة إنما تهدف إلى معالجة خلل مالي، دون الولوج الفعلي لمعالجة الخلل البنيوي في الاقتصاد اللبناني الذي كان الخلل المالي أحد إفرازاته ونتائجه.
إنه لم يعد خافياً على أحدٍ، أن معطيات الوضع الداخلي بعناصره الحالية ليست قادرة على توفير وسائط صدٍ لتدارك الهبوط إلى القعر السحيق، ولذا كان التوجه للاستعانة بوسائل دعم من الخارج، بات صندوق النقد الدولي هو أحد الملاذات التي تمت الموافقة على اللجوء إليها، بعد مكابرة لم تصمد طويلاً أمام ارتفاع منسوب الضغط المتعدد الأوجه على الواقع اللبناني بكل ما يحتوي عليه من عناصر مأزومة ومؤزِمة.
كما انه لم يعد خافياً على أحد، أن الهيئات الخارجية كانت تطلب ربط منح القروض والمساعدات، بتحقيق رزمة من الإصلاحات، وكانت في المقابل تتلقى الوعود من الجهات اللبنانية المعنية بتنفيذ هذه الإصلاحات والذي ثبت أنها كانت مجرد وعودٍ عرقوبية، وهي بالتالي تتكرر، مع كل توجه لبناني رسمي لطلب المساعدة.
إن الإصلاحات التي تطلبها الهيئات الدولية باتت معروفة، وهي تحرير سعر الصرف للعملة الوطنية، وفرض ضرائب جديدة ورفع الدعم عن رزمة من السلع والخدمات، وهيكلة القطاع العام بعدما وصل مستوى غير مقبول من التضخم بالقياس لحجم الملاكات الإدارية التي تدير المرفق العام، والحد من الهدر ومكافحة التهرب الضريبي، وإقفال المزاريب التي يتسرب منها المال العام وأبرزها ملف الكهرباء وملف التهريب الذي يحرم الخزينة العامة اهم موردٍ لتغذيتها. بعض هذه المطالب تطرقت إليها الخطة والبعض الآخر لم تقاربه إلا خجلاً، لأنها كالشمس كلما اقتربت الكائنات منها، كلما أصبحت في دائرة اللهيب الذي يحرق كل من اقترب منه. ولذلك فإن ملف الكهرباء يصعق من يمسه، كما ملف التهريب يدمي من يقاربه قولاً، ويقتل من يقاربه فعلاً. وإذا كانت الثقوب كثيرة في جسم الخطة إلا أن أبرزها هما ثقبا الكهرباء والتهريب.
يبقى التساؤل الذي لا بد من طرحه، إذا كان القديم مازال على قدمه في الأداء السياسي كما في الرؤية الاقتصادية، فما الذي تغير في الواقعين السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد سبعة أشهر من الحراك الشعبي؟ وإذا كانت الانتفاضة لم تستطع أن تفرض أجندتها بفرض التغيير، لبقاء "السياسي" "والاقتصادي" على قدمهما، فماذا الذي استطاعت تحقيقه.؟
في استعراض لما استطاعت الانتفاضة تحقيقه، وما لم تستطعه، فإنه من الظلم بمكان غبن الانتفاضة الشعبية لجهة ما استطاعت تحقيقه، وكأن شيئاً لم يتحقق. كما انه من المبالغة بمكان القول إن الانتفاضة حققت ما رمت إليه.
أما في مالم تستطع الانتفاضة الشعبية تحقيقه، فهي أنها لم تستطع تحقيق الإسقاط الدستوري للمنظومة السلطوية، ولو استطاعت ذلك، لكان صدر إعلان دستوري، أو على الأقل الدخول بمرحلة انتقالية تمهيداً لوضع وثيقة دستورية، تعيد توزيع السلطات وتنظم العلاقة فيما بينها، وبالاستناد إلى ذلك يتم إنتاج نظام سياسي جديد.
إن عدم تحقيق ذلك لم يكن مستغرباً لأسباب كثيرة، بعضها مرتبط بالمعطى الذاتي للانتفاضة، ولا مجال للدخول في تفصيلاته الآن، وبعض آخر مرتبط بموازين القوى السائدة وتجذر النظام الطائفي العميق، مع وجود حاملات شعبية قوية للقوى الطائفية والمذهبية ما زال الخطاب المذهبي والطائفي يحركها ويدفعها بالاتجاه المعاكس لمصالحها الحقيقية. ولهذا واجهت الانتفاضة مأزقاً، تمثل بالمطالبة بالتغيير من ضمن آليات النظام الدستوري القائم في وقت تطرح إسقاطه وتدرك عقم التغيير بالاستناد إلى واقعه الراهن. وكيف تقبل المنظومة السلطوية بكل أطرافها الرضوخ لمطالب الانتفاضة وهي التي توجه سهامها إليها.!
إن الاستجابة السلطوية لما رفعته الانتفاضة من مطالب فيما لو حصلت ودعوة لانتزاع الحقوق المستلبة، يعني أن المنظومة السلطوية وافقت على إلغاء نفسها، وهذا لم يحصل، والذي حصل أن السلطة أعادت إنتاج نفسها بالسياسة كما أعادت إنتاج نفسها بالرؤية الاقتصادية.
من هنا، كان الموقف الداعي لإنجاز التغيير، يرهن تحقيق ذلك بتغيير البنية السياسية للنظام أو على الأقل إحداث اختراق جدي في بنيته، وهذا بالطبع يحتاج إلى ميزان قوى فعلي وجدي بقواه السياسية ورافعاته الشعبية وأدواته النقابية، وهو الذي لم يكن متوفراً. لذلك لم يحصل الإسقاط الدستوري لمنظومة الحكومة بكل تعبيراتها وأطرافها السياسية. وهذا أبرز مالم تستطع الانتفاضة تحقيقه رغم الزخم الشعبي الذي تميزت به في أشهرها الأولى.
إذا كان هذا الذي لم تستطع الانتفاضة تحقيقه في سياق مطالبتها للتغيير، فما الذي استطاعت تحقيقه؟
في قراءة سياسية لظاهر الحال، يمكن القول إن الانتفاضة استطاعت أن تحقق إنجازاً سياسياً مدوياً وهي إجبارها الحكومة على تقديم استقالتها تحت ضغط الشارع. لكن هذه ليست المرة الأولى التي تسقط فيها حكومة تحت ضغط الشارع، إذا سبق حالات كثيرة وان بمعطيات مختلفة. ولذلك لا يمكن اعتبار الحكومة مستقيلة لاستقالة رئيسها إنجازاً مدوياً للانتفاضة، وإن كان حصل بضغط الشارع الذي انتفض بمشهدية غير مسبوقة.
إن نقطة القوة التي ارتكزت عليها الانتفاضة في هجومها بكل تعبيراته الديموقراطية على المنظومة السلطوية هو استحضار قضية الفساد السياسي والإداري والاقتصادي والمالي في الأداء السلطوي، وفي كل المؤسسات ذات الصلة بإدارة المرفق العام أو الذي يخضع لوصايته.
إن قضية الفساد التي جسدت مركز القوة والتماسك في الخطاب السياسي للانتفاضة بكل طيفها السياسي والهيئات التي انخرطت في فعالياتها، كان في الوقت نفسه نقطة الضعف في موقف المنظومة السلطوية. وبمعنى آخر فإن قضية الفساد كانت "كعب أخيل" المنظومة السلطوية دون استثناء أي طرف منها. وهذه القضية التي شكلت القاسم المشترك للقوى السلطوية، لم يستطع أحد أن يخرج من لوثتها رغم المحاولات المستميتة لبعض القوى تنزيه نفسه عن ذلك، إلا أن الوقائع كانت أقوى من كل ادعاء معاكس. وهنا نجحت الانتفاضة، حيث استطاعت أن تحول قضية الفساد إلى قضية رأي عام، وعندما تتحول قضية ما، إلى قضية رأي عام يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل احتواء تداعياتها وتأثيراتها، خاصة أن قضية الفساد لم تطرح كعنوان سياسي وحسب للتدليل على فساد الحكم، بل جاء طرح القضية بالاستناد إلى معطيات الملفات التي توثق الفساد بالأرقام والأسماء. وعندما يكون الفساد سمة مشتركة لأهل الحكم الذين يحكمون حالياً، والذين سبقوهم وهم كانوا شركاؤهم في سرقة المال العام والهدر والسمسرات والزبائنية والرشاوى وهو الذي كان يمرر إما بالتوافق وتوزيع المغانم، وإما تحت مظلة "القانون". وعندما تمارس السرقة وهي مشرعة بالتوافق السياسي أو بالتغطية التي توفرها التشريعات الهمايونية، وعندما تنهار دفاعات المنظومات السلطوية المتعاقبة على الحكم، ولا تستطيع انتزاع براءة من جرم الفساد رغم بلاغة مرافعة العاهرين الذين حاضروا بالعفة، فإن هذا يعني أن الانتفاضة التي لم تستطع الإسقاط الدستوري للحكم، استطاعت أن تحقق الإسقاط الأخلاقي للمنظومة السلطوية.
إن المنظومة السلطوية سقطت أخلاقياً، ليس لأنها تفتقر إلى أخلاقية في ممارسة شفافية الحكم كما افتقارها إلى الحوكمة وحسب، بل سقطت لأنها مارست النهب المنظم "والمشرع"، الذي أتخم بطون حيتان المال على حساب أصحاب البطون الخاوية.
نعم إن السقوط الأخلاقي للمنظومة السلطوية قد تحقق، وهذا يشكل مقدمة للإسقاط السياسي الآتي لامحالة طال الزمن أم قصر. وأن هذه المنظومة ذاهبة لأنها تفتقر إلى الأخلاق. ألم يقل شوقي: "وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
وعليه فإن على الانتفاضة وخاصة الكتلة الصلبة فيها والتي تطرح برنامجاً رؤيوياً للتغيير، انطلاقاً من إعادة تكوين السلطة، أن لا تشعر بالإحباط، لأن موازين القوى السائدة بعناصرها الداخلية والخارجية ليست في مصلحة قوى التغيير، بل من حقها أن تشعر بنشوة النصر المعنوي والاعتباري الذي حققته وهو الإسقاط الأخلاقي لمنظومة الحكم ومن يمارس الوصاية عليها.
إن الإسقاط الأخلاقي هو إنجاز مهم جداً في سياق التحولات السياسية والاجتماعية للنظم السياسية، وإذا كانت السلطة استطاعت إعادة إنتاج نفسها سياسياً، إلا أنها لم ولن تستطيع ذلك أخلاقياً، أولاً، لأنها سلطة افتقرت إلى مواصفات الحكم الرشيد وفاقد الشيء لا يعطيه، ولأنها، ثانياً، باتت تحت الرقابة الشعبية، التي من خلالها بات الشعب يمارس دوره الرقابي وفي المساءلة والمحاسبة وصولاً إلى إسقاط النظام الطائفي، وإقامة نظام المواطنة الذي يعيد للدولة اعتبارها ووظيفتها الأساسية، كدولة رعاية اجتماعية توفر للإنسان كل شروط الأمن الاجتماعي والحياة الكريمة واستقلالية الخيارات الوطنية وفرض سيادة القانون وبسط شرعيتها الحصرية على الإقليم أرضاً وشعباً والتي لأجل ذلك انطلق الحراك الشعبي الذي يدخل هذه الأيام شهره الثامن وسوف يستمر.



New Page 1