Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : "لاعلان استقلال دولة فلسطين"

المحرر
22-05-2020
يوم الخامس عشر من ايار ، هو اليوم الذي انطلق فيه مسار التشريع الدولي لاغتصاب الحركة الصهيونية لفلسطين . قبل ذلك التاريخ الذي يعود لاثنتين وسبعين سنة خلت ،لم يكن هناك دولة اسمها "اسرائيل"،لان الارض التي اقيمت عليها هذه الدولة ، هي ارض فلسطين ،والدولة التي كانت مدرجة على الخر ائط ،كان اسمها فلسطين والمراسلات بينها وبين الدول الاجنبية كانت تمهر بختم دولة فلسطين. والبعثات الدبلوماسية الاجنبية كانت تقدم نفسها ، انها تمثل بلادها لدى دولة فلسطين ،والصكوك النقدية الورقية والمعدنية كانت تصدر باسم فلسطين ،ومن يريد الحصول على سمة دخول الى البلاد كان يطلبها من بعثات فلسطين الدبلو ماسية ،واكثر من ذلك ،فإنه عندما تم الاتفاق على تقاسم النفوذ بماعرف يومذاك باتفاقية "سايكس بيكو "، ورد بالنص الصريح ان فلسطين ستخرج من حصة بريطانيا ،فيما تخرج سوريا ولبنان من حصة فرنسا. اذاً، قبل الخامس عشر من ايار عام ١٩٤٨ ، لم يكن هناك دولة باسم "اسرائيل"، ،وان كان هناك سكان يهود ،كانوا مواطنين في دولة فلسطين التي وقعت تحت الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الاولى.
وما وفد واستقدم اليها من يهود جندتهم الحركة الصهيونية بعد سايكس بيكو ووعد بلفور ،انتظموا في مجموعات ،تحولت الى عصابات مسلحة ،منها الهاغانا والارغون وغيرهما. وكانت هذه العصابات تعمل تحت اعين سلطة الانتداب ،وتنفذ اجندة مبرمجة وممنهجة للسيطرة الى الارض الذي ابتدأ بنظام " "الكيبوتزات "، اي المستعمرات الزراعية ،والتضييق على السكان العرب وتخريب ممتلكاتهم ، ودفعم لترك ارضهم ،في عمليات تغيير ديموغرافي وترحيل داخلي بلغ ذروته في "الترانسفير" الكبير ، الذي حصل بعد الاعلان الرسمي للاغتصاب منذ نيف وسبعة عقود .
ويكفي التذكير ان يافا التي خرجت من حصة الدولة العربية بموجب قرار التقسيم عام ١٩٤٧ ، سقطت بالاحتلال في ١٣ايار /١٩٤٨ وفي اليوم التالي ،اعلنت الحركة الصهيونية قيام دولتها. بعد حرب حزيران ١٩٦٧ ، احتلت "اسرائيل" ماتبقى من ارض فلسطين التاريخية فضلاً عن اراضٍ عربية اخرى في مصر وسوريا والاردن ولبنان.
وعلى اثر الاحتلال حصل الترانسفير الكبير الثاني ،بحيث بات عدد الفلسطينيين المبعدين بالتهجير الجماعي او الذي نتج عن ارتكاب جرائم ومجازر مروعة ، ككفر قاسم ودير ياسين وغيرهما يفوق عدد الفلسطينيين الذين بقوا داخل الارض التي احتلت عام ٤٨ او ٦٧. وعندما صدر قرار التقسيم ،صدر عنوان تحت تقسيم فلسطين الى دولتين ،دولة عربية واخرى يهودية .
وهذا تدليل اضافي بان التقسيم وقع على ارض فلسطين. ان قرار التقسيم ، الذي رفضه العرب "رسميا"وشعبياً ،لم يترجموا رفضهم بوضع استراتيجية قومية للتحرير ( ولهذا بحث اخر) ، بينما دولة الاحتلال التي اعلنت قبولها النظري بقرار التقسيم ،بدأت عشية اليوم الثاني الذي اعقب الخامس عشر من ايار وضع استراتيجية السيطرة على كل ارض فلسطين ،وهذا ماحصل من خلال ما افرزته حرب حزيران من نتائج ، وهي مازالت تتعامل مع الارض الفلسطينية المحتلة على قاعدة القضم والهضم .
ان من يدقق بخلفية الموقف الصهيوني وحقيقته وابعاده يعي جيداً بان " اسرائيل" ، لن تنسحب من الاراضي المحتلة ، بالتالي فان مايروج بان مشروع الدولتين ،هو مشروع يمكن ان يرى النور هو مجرد وهم للاسباب التالية : السبب الاول ، ان الحركة الصهيونية وان اعتمدت التدرج في تنفيذ مشروعها ،الا ان نهائية الاحتلال للارض ،لاتقتصر على ارض فلسطين وحسب وانما الهدف النهائي هو اقامة مايسمى بدولة " اسرائيل" الكبرى التي تمتد مابين الفرات والنيل .
وعليه فان فلسطين ، كل فلسطين تعتبر ضمن الحوض الاساسي لدولة الاحتلال. ويروي ديغول في مذكراته ، ان دافيد بن غوريون اسر اليه ،وقبل حرب حزيران بسنوات يوم كانت فرنسا هي مصدر التسليح الاساسي "لاسرائيل" ، ان ارض دولته تضيق بسكانها وانها بحاجة للتوسع حتى تستطيع استيعاب المهاجرين اليها وتخفيف الاختناق السكاني الحالي.
ويقول ديغول ،انه اختلف مع بن غوريون حول هذه المسألة ،ومنذ ذاك التاريخ بدأت العلاقة تسوء بينهما. لذلك،"اسرائيل"، لن تنسحب من الاراضي الفليسطينية المحتلة وبشكل خاصة الضفة الغربية التي تسميها " يهودا والسامرة".
وهذا ماخاطب به الرئيس الاميركي ليندون جونسون الملك حسين في صيف عام ١٩٦٧ ، ان الارض تؤخذ بالاحتلال او بالشراء ،وهاقد اخذتها "اسرائيل" بالاحتلال ،فأي ثمن سيدفع لاستعادتها. ؟ ان الثمن الذي تريده "اسرائيل"، ليس مالاً ، ولا اعترافاً عربياً"بسيادتها" على الارض التي احتلت ١٩٤٨ ، بل اعترافاً باحتلالها للارض التي تراها لازمة لاستيعاب مستوطينيها، واللازمة لامنها وحاجتها المائية والارض الزراعية ،فضلاً عن السيطرة على الاجواء والحدود التي تعتبرها من طرف واحدٍ ،حدود اً لدولتها.
هذا الثمن هو الاعتراف بالسيادة الصهيونية على كل الاراضي التي تعتبرها ,"اسرائيل" ،مدى حيوياً لها. ومن خلال ماتنفذه " اسرائيل " حالياً على الارض انما يصب في ماترمي تحقيقه. وهي بذلك تتصرف انطلاقاً من ادراكها ،بأن موازين القوى السائدة هي في مصلحتها .
وحتى تنسحب "اسرائيل"، من الاراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧، يجب ان يكون هناك ميزان قوى قادر على تحرير كل فلسطين ،حتى تنسحب من بعضها كي لاتفقد الكل . وفي ظل عدم توفر معطيات هذا الميزان ،فليس مايجبر الاحتلال على الانسحاب.
لذلك فإن شعار الدولتين بات يفتقر لواقعيته ،ودولة الاحتلال جردته بالاساس من مقوماته باغراق الضفة الغربية بالمستوطنات ،بحيث باتت المدن العربية فيها جزراً محاصرة ،لايتم التواصل في مابينها الا عبر المصافي الامنية لقوات الاحتلال، وصفقة القرن التي تسوقها اميركا كمشروع حل للصراع، هي صفقة تستجيب للمطالب الاسرائيلية ولا تعر اعتباراً للحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد بدأت "اسرائيل" تنفذ على الارض بنود المشروع الاميركي ،بدءاً من فرض سيادتها على غور الاردن.
اذاً، ان استمرار الحديث عن حل الدولتين ، هو كلام عن حل افتراضي لان الوقائع تفيد بعكس ذلك. وامام هذا الوضع هل يبقى شعب فلسطين معلقاً على امل الحصول على دولة لا تتوفر لها شروط الحياة والمقومات الدستورية والشرعية ،وهي باتت سراباً يبتعد عن مرأى الناظر كلما اقترب منه ومع كل الكلام عن وحدة وطنية فلسطينية ، ودعم عربي ودولي لقضية فلسطين ،باعتبارها قضية شعب يناضل لتقرير مصيره ،وتصعيد للنضال الجماهيري بكل اشكاله ،وهذا سيبقى قائماً طالما بقي الاحتلال قائماً.
من هنا فإن الاوضاع التي تمر بها قضية فلسطين ، وما يجري في الاقليم بات يتطلب خطوة نوعية وقراراً جريئاً ،لايكون بوقف العمل بالاتفاقات المعقودة مع العدو والعودة الى مواثيق الثوابت وعلى اهمية ذلك ، بل بقرارٍ استراتيجي يعيد خلط الاوراق في معسكر الاعداء اولاً . ان المطلوب اليوم هو قرار استرتيجي ينطوي على اعلان استقلال دولة فلسطين على كل ارض فلسطين ،وان "اسرائيل"،هي سلطة قائمة بالاحتلال ليس على الارض التي احتلت في حرب حزيران وحسب ،بل على كل ارض فلسطين التاريخية. وهكذا يصبح شعب فلسيطن موحداً على جغرافية واحدة وان كانت تحت الاحتلال ، كما يصبح نضاله موحداً على ارضية موقف متمحورٍ من الفه الى يائه حول شعار تحرير فلسطين ،كل فلسطين. والدولة الفلسطينية هي دولة تقوم على كل ارض فلسطين ،لا على ارض الضفة والقطاع وهما باتا نتف من جغرافية الضفة كما هو مطروح في صفقة القرن. ان اعلان استقلال دولة فلسطين واعتبارها دولة محتلة ، يقوي الموقف الذي بات يصنف "اسرائيل" بماهي سلطة قائمة بالاحتلال كدولة "ابارتهايد" ،خاصة بعد اعلان يهودية الدولة والتي تميز في التعامل بين من يقع تحت سلطتها بحيث ان قمعها وانتهاكها للحقوق الاساسية واحكام المركز القانوني للشعب الواقع تحت الاحتلال سيزداد. ان معطى هذا الواقع سيفتح الصراع على بعد جديد، يضاف الى الاشكال النضالية التي انطلقت منذ بدأ التخطيط لاغتصاب فلسطين وهو اسقاط الاحتلال باسقاط نظامه العنصري الذي يتم بالاستناد الى مشروعية النضال ضد نظم الابارتهايد، حيث لم يبق الا هذا النموذج الصهيوني على سطح الكرة الارضية يمارس العنصرية المشرعة بقانون بعد اسقاط النظام العنصري في جنوب افريقيا. فلتعلن الشرعية الوطنية الفلسطينية استقلال فلسطين واقامة دولتها على كامل ارضها ولتتعامل مع "اسرائيل"،باعتبارها سلطة قائمة بالاحتلال ، وهكذا يكون الرد التاريخي بقراراستراتيجي تاريخي.

New Page 1