Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


صراع المصالح

مكتب العمل الوطني - محمد عمر
15-05-2020

صراع المصالح بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيراته على المنطقة: لكلتا الدولتيْن، كما لباقي الدول، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مصالح، وهذا مفهوم في إطاره العام القائم على أنّ كل الدول تسعى لتحقيق مصالح شعوبها، ولكن المصالح التي تتجاوز حدودها لتنال من حقوق الشعوب والدول الأخرى تعتبر عدواناً مكشوفاً مهما لبس من أقنعةٍ وبراقع باسم الدين والأخلاق ورسالة الأبيض إلى الأسود، نعم، هو عدوان تجب مقاومته والتخلص منه، ولا يمتّ بصلة لأية قيمة إنسانية أو أخلاقية. واذا نظرنا بدقة وموضوعية وبتجرد لما تقوم به هاتان الدولتان، الولايات المتحدة وإيران لوجدنا أنهما تمارسان عدوانا مكشوفا، وكل دولة من هاتين الدولتين لها جغرافيتها العدوانية التي لا يمكن إيجاد اسم آخر لهذه العدوانية. فالولايات المتحدة تريد أَمْرَكَةَ العالم تحت شعارات العولمة المادية، وما سمّته "صراع الحضارات"، واعتبرت به أن حضارتها قد وصلت إلى القمة التي لا يمكن تجاوزها، وسمّتْ ذلك: "نهاية التاريخ" كما كتب فوكوياما. وبدأت تعتبر العالم كله رقعة لمشروعها العدواني المتستر بعولمة الكون. وسلوكها العدواني يكشفها تماماً، وموقفها من حقوق الشعب الفلسطيني تعرّيها تماماً، وعدوانها على العراق دليلٌ غير قابل للتأويل، ولو حاولنا الإلمام بكل تفاصيل العدوان الأمريكي على الشعوب والدول لضاق بنا المقام وكنا كمن يحاول إملاء برميل بالماء لا قعر له، أمريكا هي وأتباعها تمثل أبشع عناصر الاستعمار الجديد، ومقاومة عدوانيتها هي عمل أخلاقي وإنساني قبل أن تكون مقاومة سياسية وحرب ضد الاستعمار.أما إيران فعدوانيتها مكشوفة إلى درجة مخجلة ومدعاة للتندر، فإذا كانت الولايات الولايات المتحدة تمارس عدوانيتها باسم التطور والعولمة والعلم، فإنّ إيران تمارس عدوانيتها لنشر الجهل والتعصب والعودة بالتاريخ الإنساني إلى مراحل تجاوزها وعي الإنسان المعاصر بأساليب مكشوفة وسياسات ستنقلب عليها لأنها غير متفقة مع حركة التاريخ وحركة الواقع.. فلو امتنعت إيران عن التدخل في شؤوننا الداخلية لكانت طبيعة العلاقة متغيرة حكماً ،وكنا نعيش جيراناً غير غائصين في إيقاظ التاريخ بكل ما فيه من فواجع، فما جدوى التناحر المذهبي الذي أيقظ في العراق مثلاً كل المآسي والفتن والصراع الدموي الذي كانت "داعش" من أبرز إفرازاته المتوحشة، وهذا يعرفه القاصي والداني، ومن الواضح أن المشكلة في جوهرها هي صراع عربي فارسي منذ القديم القديم، حتى ولو غطت إيران أطماعها القومية بعمامة دينية. ونحن نرى أن الصراع سياسي في جوهره، وكانت مجتمعاتنا ولا تزال لا تفرق بين المذاهب أبداً، إلاّ بعد أن لبست السياسة عمامة دينية، وقبلها منذ أن لبست السياسة في بلادنا طربوشاً تركياً عثمانيا أربعة قرون عجافاً، عمّ فيها الجهل والتخلف والجوع والمرض والإقطاع كل ذلك كان باسم الخلافة الإسلامية، وباسم "يلدزا ذات القصور"، وأجدادنا ما زالوا يروون لنا ما عانوه من "سفرْ برلِكْ"، ومن ضحايا الاستعمار العثماني الجاهل.وإيران منذ ما قبل الإسلام كانت تحتل أجزاء من العراق، ومعركة ذي قار في حقيقتها قبل الإسلام كانت معركة دفاعٍ عن الأرض والعرض، ولا نزال نذكر ما قال الشاعر الشيباني، وهو يمدح الرجال الذين دافعوا عن بلادهم، وهذا قبل ظهور البعثة المحمدية، يقول الشاعر الشيباني مخاطباً النساء اللواتي خرجن بالزغاريد لاستقبال فرسان ذي قار:إن كنتِ ساقيةً يوماً ذوي كرمٍ فاسقي فوارسَ من ذُهْلِ بنِ شيباناواسقي فوارسَ حاموْا عن ديارهمُ واعلي مفارقَهمْ راحاً وريحاناواستمرت أطماع إيران عبر تاريخها الطويل بالتدخل في شؤون الدول العربية والأرض العربية والمياه العربية، وبعد "الثورة الإيرانية" طرحت إيران تصدير ثورتها، وهي تدرك ما سيكون مآل هذا القرار الإيراني، وقد كان هذا الطرح أحد أسباب الحرب المؤلمة التي مزّقت، ولم تجمع، وفتحت المجال أمام زيادة التدخل الأمريكي في العراق بعد احتلاله، ولأن هذا هو العنوا ن الاساسي للموضوع سنر كز على ابعاد ونتائج صراع المصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران،موجزة بما يلي:
1 ــ كانت أمريكا تعتبر إيران شرطيها في الخليج أيام الشاه في زمن الشاه الإيراني، محمد رضا بهلوي، اتسمت العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بالكثير من الود، وظلت العلاقة ممتازة مع رجل أمريكا القوي، وشرطي الخليج كما كان يكنى في ذلك الوقت، بعد أن استدعته وثبتت حكمه في إيران عام 1941؛ ليخلف والده رضا شاه، الذي أقلق واشنطن ودول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بتعاونه مع ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر وتزويدها بالنفط الإيراني.كان لدى محمد رضا بهلوي الابن ولع بالغرب، وحلم بتحويل بلاده لدولة عظمى، فارتمى في أحضان أمريكا، وانتهج سياسات الحفاظ على المصالح الأمريكية خلال السنوات الطويلة، ومنح واشنطن في بلاده امتيازات، وأدخل مستشارين عسكريين أمريكيين؛ لمراقبة الأوضاع في إيران؛ بهدف الحفاظ على مصالح أمريكا، كما كانت أمريكا تتحكم في تعيين نواب البرلمان وتحديد أدوارهم، وفرضت قانون الحصانة القضائية للأجانب «كابيتو لاسيون» الذي يعفى بموجبه الأجانب من التساؤل القانوني على أرض إيران حتى لو ارتكبوا جرائم.وسمح بهلوي أيضًا للولايات المتحدة بأن تقيم قواعد لها في شمال إيران بالقرب من الحدود الروسية؛ للتجسس على السوفييت.وجاءت "الثورة الإيرانية" في 16 يناير من عام 1979، لتطيح بالشاه ونظامه، وكان العرب وكل الأحرار في العالم يأملون أن تكون هذه الثورة دعماً للخلاص من الهيمنة الأمريكية، وتحديداً نحن العرب، على المنطقة، ولكن شعار "الموت لأمريكا" الذي طرحته هذه الثورة ظل شعاراً لم يُطبّق شيء منه على أرض الواقع سوى ما يخص تحقيق المصالح، والتدخل في شؤون المنطقة.
2 ــ يحق لأية دولة في العالم أن تختار نوعية نظامها، وهي المسؤولة عن نجاحه أو إخفاقه، ولكن لا يحق لها أن تُصدِّر نوعية نظامها إلى دول تتناقض كينونتها مع النظام المُصدّر إليها، فالذي حدث في العراق لا يحتاج إلى براهين لإثباته، فقد تمزقَ العراق نتيجة محاولة إيران، والتي لا تزال مستمرة وبعنف، جعل العراق تابعاً لنظامها السياسي، والعراق بعروبته المتجذرة لا يمكن أن يخضع لتوجهات القومية الفارسية، وهذا كله يتناقض مع النظرية الإيرانية المصَّدرة إليه، لقد تمزق العراق، وكانت داعش أبرز نتائج هذا التوجه الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مستفيدتين من تمزق العراق الذي كان بتوجهه القومي حامياً لكثير من المواقع العربية. في البدء تلاقت مصالح الدولتين في تفتيت العراق وإيجاد نظام بعضه للولايات المتحدة وبعضه لإيران. وليس فيه أبداً بعض موالٍ للعراق،. أن ما يحدث في العراق كان كله تحقيقاً لمصالح الدولتين، إيران كانت تريد تصدير ثورتها بإزالة النظام القومي، واستبداله بنظام فارسي، وأمريكا كانت تريد إزالة العراق القوي الذي يهدد استمرارية وجود الكيان الصهيوني الغاصب.
3 ــ تماماً، وكما يحدث مع لصوص تحالفوا على سرقة بنك، وبعضهم حمى بعضاً، ولكن عندما خرجوا لاقتسام ما سرقوه اختلفوا، وراح بعضهم يقتل البعض الآخر، وهذا ما حصل بين الولايات المتحدة وإيران في جلسة اقتسام الجسد العراقي المذبوح. اتفقا على ذبح العراق وتوزيع ثروته واختلفا على الحصص.بوش كان يقول: إن الله أمره أن يسقط النظام في العراق، وأن يقيم دولة فلسطينية، والحقيقة أن بوش أطاع ربه في الأولى وعصاه في الثانية.
4 ــ حقيقة الصراع بين أمريكا وإيران ليست صراع وجود، بل محاولة كل طرف منهما أن يحقق توسيع نفوذه في جغرافية بلاد العرب الضعيفة الممزقة على حساب الآخر. ولكن صراع أمريكا مع الدول العربية التي ترفض هيمنتها كان ولا يزال صراع وجود "نكون أولا نكون" كما يقول شكسبير. أمريكا تريد إعطاء إيران دوراً في المنطقة، ولكن تحت بصرها وبصيرتها. وإيران لا تثق بالوعود الأمريكية، وتخاف انتقاص حصتها من غنائم الزمن العربي الرديء. وأوضح الأدلة على عدم جدية العداء بين الولايات المتحدة وإيران هو سرعة أمريكا في احتلال العراق وضربه تحت حجج واهية هي اخترعتها، وهي ادعاؤها أن العراق يملك أسلحة دمار شامل ويتعاون مع القاعدة وهي اعترفت علناً بافتعال هذه الحجج الواهية لضرب العراق، أما في وضعها مع إيران فهي ترى علناً الصواريخ البالستية الإيرانية، وتعلن دائما أنها لا تريد حرباً مع إيران، وإنما تريد تفاهماً، وحجة إيران أن أمريكا تخاف منها، وهذا ما لا يخطر على بال إنسان. في الحقيقة، وعلى الرغم من المواقف العدائية الشرسة المعلنة بين طهران وواشنطن، إلا أن الحسابات الاستراتيجية لكل طرف تجعله بعيداً تماما عن التفكير في فتح جبهة حرب شاملة مع الطرف الآخر. هذا المبدأ تكرر على لسان كل مسؤولي البلدين ولا سيما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسيد علي خامنئي. لكن ما هي أسباب ذلك؟ بالنسبة لإيران، أسباب عدم الرغبة في الدخول في حرب ساخنة مع الولايات المتحدة تبدو واضحة. فإيران من جهتها لا تريد ولا تستطيع فتح معركة حقيقية مع أمريكا، وليس من مصلحتها البتة الدخول في نزاع مسلح مفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الخلل الكبير في ميزان القوى العسكرية لصالح الأخيرة. هذا الموضوع معروف للجميع ولا حاجة للتفصيل فيه في هذا المقال. لذلك فإن إيران المدركة جيدا للتفوق الأمريكي تعي جيدا بأن أي نزاع من هذا النوع سيكون كارثيا عليها على كافة المستويات، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها البلاد تحت ضغط العقوبات الأمريكية القاسية. من جهة أخرى، فإن إيران، حالها كحال جميع الأنظمة ذات التوجه التوسعي، ليست متحمسة للدخول في أي معركة دفاعية طالما أن نظام الحكم نفسه ليس مستهدفا. وفي هذه النقطة فقد كررت الولايات المتحدة رسالتها كثيرا وعلى لسان ترامب نفسه بأن بلاده لا تستهدف تغيير نظام الحكم في إيران. أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فعدم الرغبة في الدخول في حرب مفتوحة مع إيران له أكثر من سبب، وأمن هذه الأسباب قوة إيران وحضور أذرعها في المنطقة، ولكن قوة إيران ليست هي السبب الجدي، وإنما السبب الأقوى هو موقعها الجيوسياسي الحيوي المشرف على واحد من أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، ولكن المتأمل جيدا لتطور العلاقات الغربية الإيرانية عموما والأمريكية الإيرانية خصوصا يستطيع أن يلحظ أشياء لافتة للنظر ولا تتناسب البتة مع ما يظهر للعلن من مظاهر العداء الشرس بين المعسكرين. وكما قلنا إن الولايات المتحدة تريد وجود إيران القوي، ولكن لا لحربها معها، وإنما لتخويف الخليج وإخضاعه لإرادة واشنطن التي تعي كيف تكون صديقاً وعدواً في آن. ورغم مواقف ترامب المتهورة إلا أنه بات يستشعر الخطر على مستقبله في الانتخابات القادمة أمام النفوذ الإيراني المتعاظم في العراق، في الوقت الذي تعد فيه إيران العدة لتصفية وجوده هناك من خلال حلفائها كجزء من حربها المعلنة ضد الولايات المتحدة التي تمارس ضدها أقصى درجات الخنق السياسي والاقتصادي لإجبارها على الرضوخ للمطالب الأمريكية بأي ثمن كان. باتت الولايات المتحدة منزعجة من الوجود الإيراني في العراق ومعها الكثير من المكونات العراقية على السواء، إلا أن إقدام ترامب على تصفية سليماني على الأرض العراقية كان يهدف إلى قتل رجل إيران القوي لجرها إلى التفاوض بعد قتله كما تريد إدارته.ورأى بعضهم أن هذا سيؤدي إلى حرب مدمرة، إلا أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً؛ فالولايات المتحدة يمكن أن تبتلع رداً إيرانياً متجانساً مع عملية الاغتيال ولا يتجاوز الخطوط الحمراء، وكما حدث فعلاً، في حين ما تزال إيران من جهتها مستعدة للاستماع إلى الوساطات الإقليمية والدولية، ومقتنعة أن الولايات المتحدة لا يمكن مجابهتها عسكرياً، وهذا ما يمكن قراءته في ثنايا تصريحات القادة الإيرانيين التي أكدت أن الرد لن يكون متسرعاً بل سيكون في الوقت والزمان المناسب، ويستهدف الوجود الأمريكي في المنطقة بأسرها، رغم صيحات الثأر والوعيد بالقصاص العادل من الشيطان الأكبر. إنّ الشعارات شيء والواقع شيء آخر. وستبقى معركة المصالح بين الطرفين مستمرة، وسيبقى وقود هذه الحروب المفتعلة نحن العرب الذين يعتمدون على غيرهم، وللأسف الذي جعلنا كالأيتام على مأدبة اللئام.
5 ــ الولايات المتحدة لها مصلحة استراتيجية في تسعير الخلاف بين العرب وإيران، وهذا أكبر ضامن لمصالحها، وتحديداً في العراق حيث النفط أكثر دفقاً من مياه الرافدين، وهو في أجواف ناقلات النفط الأمريكي وغيره، والجوع والفقر يسيطران على العراق "موسم جوع وجبال ذهب". أمريكا لن ترتكب خطأ يضر بمصالحها الاستراتيجية بضرب إيران. إنها تريد شرطي خليج جديداً، ولو بأسلوب مختلف، وأساس هذا الأسلوب تعميق العداء بين العرب وإيران، وكلامنا هذا ليس دفاعاً عن دول الخليج التي ربطت وجودها بالوجود الأمريكي على كل ما في الخليج من ثروة. لو كانت دول الخليج تملك قوة ذاتية لما تجرأت إيران على التدخل في شؤون دول الخليج نفسها، واستنهاضها كمن ينفخ في الرماد بحثاً عن نارٍ منطفئة.. ولكن لا حياة لمن تنادي.

New Page 1