Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي: قراءة اولية في خطة الحكومة الاقتصادية ( الحلقة الثالثة )

المحرر
06-05-2020

في الحلقة الاولى من هذه القراءة ، أُشير فيها الى ان الخطة انطوت الى تقديم اوراق الاعتماد الى صندوق النقد الدولي . وفيالحلقة الثانية ، أُشير فيها الى ،عناوين خطة مالية لمواجهة تداعيات الازمة وارتدادتها وليس اسساً ورؤية لخطة اقتصادية. في هذهالحلقة تقارب القراءة للخطة ،من زاوية اهتزاز الثقة المالية بلبنان ،وهي الناجمة عن اهمال القطاعات الانتاجية .

لم يعد خافياً على احدٍ ، ان الاقتصاد اللبناني يقوم على الاقتصاد الريعي ، اي الاقتصاد الذي يرتكز بشكل اساسي على القطاعالخدماتي ،سواء تجلى ذلك في خدمات التوظيفات المالية والتحويلات واعمال الوساطة ،وما يمكن ان تدره هذه الخدمات من مداخيللخزينة الدولة ، او تمثل

في المداخيل التي تقتطع من الضرائب على المداخيل وعلى السلع المستوردة ،وقطاع الخدمات .

ان هذا القطاع ، هو القطاع الاكثر تأثراً بالازمات والهزات الاقتصادية والسياسية ، وبالتالي فإن الانعكاسات تكون سريعة عليه،لان بنيته وهي بنية فوقية ، تتكون بشكل اساسي من الايداع ، ومن الاقتطاع المساعدات ،واما عامل الايداع فهو مرهون بتوفرالثقة في النظام المصرفي والقواعد القانونية التي توفر حماية للمال المودع ، واما الاقتطاع فهو مرهون بتوفر شفافية في النظامالضريبي ،-ليس بما تعلق منها بتوفر القواعد القانونية -، وانما لجهة تطبيق القوانين والمراسيم الضرائبية ،المتعلق منها باجراءاتالتحصيل من العاملين في القطاع العام ومن الذين يخضعون لضريبة الدخل استناداً الى التصاريح عن حجم الاعمال ، ومنالضرائب التي تفرض على السلع الداخلة الى السوق اللبناني او على حجم الاستهلاك.

واذا كانت الثقة التي حاز عليها لبنان من جراء الحماية القانونية لايداع الاموال، قد منحته امتيازاً ،استفاد منه في كونه اصبح ملاذاًامناً لايداع الاموال والاستثمار بها ،فلتوفر ميزتي السرية المصرفية ،وعدم تثقيل الاموال المودعة بأية ضرائب، الا ما فرض مؤخراًعلى الفوائد، فقط دون الاصول .

هذه الثقة بدأت بالاهتزاز ،بسبب الاداء السلطوي الذي افتقر لابسط قواعد الشفافية في ادارة شؤون الحكم ،بحيث بات الفسادالسمةالاساسية التي يتميز بها الحكم في لبنان.

ان هذا الفساد استمرأته واستفادت منه كل المنظومة السلطوية بقواها السياسية والمالية والمصرفية ، ولذلك لايعفى احد من لوثةالفساد ،وان كان اساسه الفساد السياسي فإن من يمسك بمفاصل السلطة حالياً هم جزء من المنظومة التي او صلت البلد الىالانهيار المالي والنقدي. هذا من جانب،

اما من جانب اخر ، فان انعدام الشفافية عند اهل الحكم والقيمون عليه ،لايشوبها اي التباس بما يتعلق بالتحصيل الضريبي،وخاصة لجهة التهرب الضريبي بالنسبة لكبار المكلفين ، والتهريب الذي تديره وترعاه وتغطيه قوى نافذة، وهو الذي شكل ويشكلاحد اوجه الفساد الذي ينخر البنية المالية للدولة ويفرغها من مقومات قدرتها على مواجهة الازمات وتداعياتها وارتدادتها، وهذا جعللبنان يصنف دولة فاشلة ،وينخفض مستوى تصنيفه الائتماني .

ان التخفيض للتصنيف الائتماني ، يعني ان ميزة الثقة التي كان يتمتع بها لبنان قد فقدها،وان كل الاجراءات والخطط والرؤى التيتطرح كمقترحات حلول واخرها خطة الحكومة ، انما تطرح بالاستناد الى المعطيات التي تشكلت منها عناصر الازمةالتي تعصفلبنان ،وهي التي افرزها نظام اقتصادي ريعي حقق ارباحاً خيالياً للذين اداروه من داخل السلطة السياسية وخارجها ، وعندما باتلبنان يواجه ازمة بنيوية من جراء التثقيل السياسي والامني الذي يرخي ظلاله الثقيلة عليه ، ومن جراء التثقيل الاقتصادي المتراكمةعوامله ،والمتواصلة تأثيراته ،والذي تديره وتستفيد منه منظومة فاسدة ، انهار الوضع المالي العام لضعف الركائز والمصداتالاقتصادية ،كما ضعفت الحاملات الشعبية للحركةالنقابية بسبب ضعف قطاعات الانتاج الصناعي والزراعي، والانقضاضالسلطوي عليها واحتوائها وتوظيفها كمصدات دفاعية عن المنظومة السلطوية ،فيما دورها وموقعها الطبيعي يفترض ان يكون فيصف المعارضة كاحد ابرز القوى الضاغطة على السلطة الحاكمة في ظل نظام يعتمد الاقتصاد الحر كنمط وفلسفة اقتصادية.

عندما تقدم الحكومة الحالية خطة للانقاذ ، وتعتمد نفس الاليات والسياقات التي استعملتها الحكومات السابقة عبر اللجوء الىالخارج للمساعدة من دول ومؤسسات، والاستدانة من الداخل ،فالحاصل سيكون محكوماً بنفس النتائج ،وها قد حصدلبنان ثمنهذه السياسة . وعليه طالما المقدمات تتحكم بالنتائج ، فإن خطة الحكومة الحالية بمقدماتها التي سكبتها في صفحاتها الاربعوالستين ، هي دوران حول الذات ، وهي ضجيج دون حجيج . بالتالي فان العبور للمعالجة لم يكن من الباب العريض ، وانما حصلعبر المنافذ الضيقة ،ولذلك فإن الخطة لن تكون خرطة طريق المشكلة لان المعالجة تتم بتناول الجرعات المسكنة للالم وليس بمعالجةاسباب الالم الناتج عن الالتهابات الحادة .

ان الدول يعتبر اقتصادها قوياً عادة ، عندما يكون معتمداً بالدرجة الاولى على الاستثمار بموارده الوطنية الداخلية ، سواء كانتثروة بشرية او طبيعية او مصادر انتاجية من الزراعة والصناعة. واذا كانت الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومعادن ، ماتزال ثرواتاحتمالية ولايمكن ادخالها ضمن الثوابت التي يبنى عليها الاقتصاد الوطني ، فإن الزراعة والصناعة ، هما مجالان واقعيان ،ومعطياتهما المادية متوفرة ،فضلاً عن توفر الثروة البشرية واليد العاملة اللازمة للتشغيل. ففي المجال الزراعي

فان لبنان يملك مساحات واسعة للزراعة ،قادرة لان توفر اكتفاءً ذاتياً وما يفيض عن حاجة السوق الداخلي ، فيما لو تم الاستثمارفي هذا القطاع ، استثماراً موجهاً ، استناداً الى استراتجية زراعية تقوم على استصلاح الاراضي ، وتنويع الانتاج الزراعي ،وتوفير الدعم للمزارعين سواء من خلال دعم البذور والاسمدة والادوية ،او من خلال حماية الانتاج الوطني من المنافسة .وسابقاًوصف سهل البقاع بأنه اهراءات روما .فماذا يتطلب كي يعود سهل البقاع كما سائر المناطق الزراعية الى سابق عهدهم ؟

ان ذلك يتطلب ببساطة ، فضلاًعما تقدم ، انشاء بنك متخصص للتسليف الزراعي بالقروض الميسرة واقامة شبكة من البنى التحتيةوانشاء السدود والبرك المائيةلتخزين مياه الامطار ، للاستفادة منها في الري للمزروعات الصيفية ،وفي فترات الجفاف ،كما تؤدي هذه البرك المائية والسدود وظيفة بيئية بتلطيف المناخ وتحسين البيئة. وهذه نوردها على سبيل المثال لا الحصر.

ان توجيه السياسة الزراعية باتجاه تنشيط وتفعيل وتطوير وحماية هذا القطاع ، لايساعد على توفير حاجة السوق الداخلي منالسلع الغذائية وحسب ، بل يوفر ايضاً مادة اولية للصناعات الغذائية بمشتقاتها الحيوانية او النباتية ويحقق تنفيذ احد بنود اتفاقالطائف المتعلق بالانماء المتوازن .

ان القطاع الزراعي يكتسب اهمية استثنائية في تدعيم الاقتصاد الوطني ، لانه يسد حاجة السوق الداخلي اولاً ،ويقلل من الاعتمادعلى الخارج ثانياً ، ويوفر فرص عمل لللبنانيين ويجعلهم يستقرون في ارضهم ثالثاً، مما يحد من نزوحهم الى احزمة الفقر والبؤسحول المدن ومن الهجرة الى الخارج ،كما يساهم في تنشيط الصناعة والتجارة ويرفع من مستوى الدخل الوطني، والاهم من كل ذلك انه يخفض من اسعار السلع الاستهلاكية ،و التي تنعكس على قدرة المواطن في تأمين حاجاته وضروراته الحياتية ويحد منالتحويلات المالية للخارج مما يخفف العبء عن خزينة الدولة والحاجة للنقد الاجنبي . وتساؤلاً ؟

كيف يحوز حكم على ثقة الناس ، وهو يدير ظهره لهذا القطاع ، وكيف تحوز حكومة على الثقة الشعبية والسياسيةوهي تستمر فيتركيزها على المشاريع الخدمية والهدر في الميادين غير المنتجة .انها تصر على انشاء السدود السياحية ،كما في سد بسري وشبروح ومستيتا ، ولا تلتفت الى بناء سدود على مجاري السيول في جبل لبنان الشرقي من اقصى شماله الى اقصى جنوبه ،وهي سبعةمجاري كبيرة ولا تنشئ بركاً اصطناعية في عكار ،تخزن فيها الامطار للري كما لدرأ غمر الاراضي الزراعية .

( ان الحكومة التي رفعت خطتها الاصلاحية وتريد استجداء المساعدات على اساسها، وافقت على استمرار تنفيذ سد بسري بتكلفة٦٥٠ مليون دولار ، بينما كلفة بناء سبعة سدود على السلسلة الشرقية كانت وفق دراسة قدمها خبراء الامم المتحدة نهاية الثمانينات،١٩٥ مليون دولاراً اميركياً ،ولو زادت تكلفتها الان ثلاثة اضعاف ، طبعاً بدون رشاو ى وسمسرة ،لما وصلت حجم المبلغ المرصود لسدبسري. ولا ندري ماهي الفائدة منه كما سد مستيتا! فهما لايصلحان لتوليد الطاقة ولا لري اراضٍ زراعية؟لكن من خلال الحملة التييقودها المتحمسون للمشروع يبدو جلياً ،ان الهدف الكامن وراء الاصرار على تنفيذ هكذا مشاريع ،فضلاً عن قبض الرشاوىوالسمسرات كما في قطاع الكهرباء ، هو تأمين برك اصطناعية لحاجةالمنتجعات السياحية اليها ، ومعروف من هو المستفيد منها.انهم الذين وضعوا يدهم على الاملاك البحرية ويحضرون الارضية الواقعية، بعدما حضروا الاطر القانونية لوضع اليد علىالمحميات الطبيعية. )

هذا القطاع الزراعي الذي يشكل احد اهم اقانيم الاقتصاد الوطني ،جرى التطرق اليه من خلال مقدمات تبدأ (بسوف ) ،وهذهلاتصلح لان تكون مدخلاً لخطة انقاذ اقتصادي، بل مقدمات لبيان وزاري لحكومة تريد نيل الثقة على اساسه ،وهذا ثقب كبير فيجدار الخطة .

اما الاقنوم الثاني ، وهو القطاع الصناعي ،فهو لم يولَ الاهمية التي يستحقها ،واذا كانت قد جرت الاشارة اليه، فإنما جرت الاشارةاليه مسبوقاً ايضاً ( بسوف) ، كما الاشارة الى القطاع الزارعي.

واذا كان القطاع الصناعي ، قد نشطت الحركةالمحيطةبوضعه ، فهذا ليس لان الحكومة اخذت مبادرة بذلك ، بل لان الصناعيين فيلبنان اكثر نفوذاً في السياسة من الزراعيين. لكن رغم ماقيل ان الدولة سترصد مبلغاً لدعم الصناعيين، الا ان ليس هذا المطلوب. لانالمطلوب هو دعم الصناعة وليس الصناعيين .ودعم الصناعة يتطلب ،فضلاً عن حماية الصناعة الوطنية من المنافسة، ودعمها لتأمينالجودة التي تمكنها من المنافسة، وتوفير اسواق لها من خلال توقيع بروتوكلات تعاون مع الخارج ، فان المطلوب توفير الدعمللمؤسسات المتعثرة ، لزيادة الانتاج الوطني لتلبية السوق الداخلي والتصدير من ناحية ، ولحماية اليد العاملة من الصرف عبراستقرار سوق العمل من ناحية اخرى.


ان لبنان ، يختزن خبرة متراكمة، خاصة في الصناعات الخفيفة والتحويلية ، ولديه الخبرات البشرية المتخصصة والعامة ،لكن مايفتقرله هو توفر الارادة الوطنية المخلصة والصادقة ، لان الحكم الذي تحكمه قواعد المحاصصة وينخره الفساد من اعلى الهرم الى ادناه ،هو حكم لايعول عليه ،لانه يحكم بعقلية المقاول ، ومعروف ان المقاولين يديرون مشاريعهم في ضوء الارباح التي يحصلون عليها .

من هنا فإنه في ظل غياب رؤية اقتصادية عملية ،تتوجه الى القطاعين الاساسيين في الاقتصاد الوطني ، الزراعي والصناعي،واللذين بتفعيلهما يفعل قطاع التجارة ، ويعاد التوازن الى ميزان المدفوعات ، عبثاً الكلام عن اصلاح في النية الاقتصادية ،بالتاليفان خطة الحكومة التي لم تقارب الموضوع من خلال توجه لبناء اقتصاد منتج يكون قادراً على امتصاص الازمات واحتواء تداعيتها ،انما هي خطة ترمي الى معلجة فوقية ،لفرملة تدهور مالي ساهم في حصوله فساد الطبقة السياسية. وعليه فهذه الخطة التي يطبلويزمر لها ليست خطة بالمعنى الدقيق والعلمي للتوصيف الاقتصادي ،وليست انجازاً تاريخياً بالمعنى السياسي وهذا ثقب اخرفيجدار الخطة . (وللبحث صلة في حلقة رابعة واخيرة ).

New Page 1