Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : حكم المافيات

المحرر
15-01-2020

بعد ثلاثة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي الذي تدحرج ليأخذ بعداً شاملاً ويتحول إلى انتفاضة شعبية، يعود هذا الحراك ليستعيد نبضه، بعدما تراجعت مستويات الحشدالشعبي منذ مطلع العام لأسباب كثيرة ،بعضها مرتبط بتنوع الطيف السياسي الذي نزل جمهوره إلى الشارع وكلٌ لحسابات خاصة به، وبعض مرتبط بالمعطى السياسي الذي برز بعد التكليف لتشكيل حكومة جديدة، وبروز تباينات بين الذين اعتصموا في الميادين، بين من يدعو لإعطاء الرئيس المكلف فرصة، وبين من دعا إلى الاستمرار بالحراك، لأن الطريقة التي تمت فيها عملية التكليف والالتباسات التي سبقتها لا تبشر بخير، خاصة وأن الطرف السياسي الذي أعطى تفويضه للرئيس المكلف كان شريكاً في الحكومة المستقيلة و يتحمل مسؤولية بما آلت إليه الأوضاع على الصعد السياسية والاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية والمعيشية.
ما بين الاستقالة والتكليف مر شهران، وبعد شهرٍ على التكليف لم يتمكن الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، علماً أن الفريق الراعي لتكليفه هو من لونٍ واحدٍ في لوحة الاصطفافات السياسية.
ما بين تقاذف المسؤولية بين أطراف الفريق الواحد الراعي للتكليف، واستنكاف الحكومة المعتبرة بحكم المستقيلة عن تصريف الأعمال، يستمر الاضطراب السياسي مع تفلت غير مسبوق في حركة السوق، وخاصة ذلك المتعلق بالتداول النقدي، حيث بات سعر صرف الليرة تحت رحمة المضاربة المتفلتة من كل رقيب وحسيب.
التفلت في سعر صرف الليرة بالنسبة للدولار، بدأ منذ أربعة شهر، لكن مع بدء الانتفاضة الشعبية والإجراءات التي اتخذتها جمعية المصارف لجهة حبس الودائع عن أصحابها وتحديد سقف محدد لعملية السحب بالعملة الوطنية او بالعملات الأجنبية، انعكس تفلتاً في الأسعار وغلاءً في السلع والخدمات من جراء انخفاض سعر الليرة في سوق الصرف، وما ترتب على ذلك من اضطراب في عملية التسعير.
وفي ظل الفراغ السلطوي الحاصل، والدور الذي تلعبه المصارف وانكفاء مصرف لبنان عن لعب دوره كحامٍ للنقد الوطني من الانهيار، أصبح واضحاً أن ثمة قوى مشبوهة تتلاعب بالسوق النقدي وهذه القوى باتت تشكل لوبي يتألف من صيارفة وبنوك متواطئة، تعمل على تهريب النقد الأجنبي للخارج فيما تحجبه عن صغار المودعين، وهذه البنوك او العاملين فيها ليست بريئة مما يتعرض له السوق النقدي، من اهتزاز عنيف ضرب كل ركائز استقراره.
إن هذا أن دل على شيء، فإنما يدل على أن ثمة مافيا، باتت تتحكم بسعر الصرف، لتحقيق أرباح في لحظة التوتر السياسي القائمة، دون الاكتراث للتداعيات التي تنعكس سلباً على الاستقرار الحياتي والأمن المعيشي، وهذه واحدة من مظاهر الفساد التي أنتجها الاقتصاد الريعي والذي هو انعكاس للفساد السياسي المتعشعش في مفاصل السلطة.
ففي كل مرة يظهر خلل في قطاع خدماتي، يتضح أن ثمة مستفيدين يقفون وراء ذلك، وهم بما يقومون به لايعبرون عن سقوطهم الاخلاقي وحسب ، وانما ايضاً عن السقوط السياسي ،وهذا حال الذين يستغلون الفرص ليجنوا الأرباح ولو على حساب قوت المواطن.
عندما برزت أزمة الدواء تبين أن مافيا تجار الأدوية يقفون وراءها، وعندما برزت أزمة الكهرباء، تبين أن "مافيا"، تشكلت تحت مسمى أصحاب المولدات، وعندما برزت أزمة المحروقات، تبين أن مافيا تقف وراءها وقس ذلك، والأخطر من كل ذلك، أن هذه المافيات تحظى بتغطية سياسية، مما يقطع الشك باليقين ان اطرافاً سلطوية هي التي تدير هذه الأزمات عبر قوى خفية، لا هم عندها إن احترق البلد أوجاع أبناؤه او ماتوا على أبواب المستشفيات، أو طردوا من منازلهم أوحرموا من فرص التعليم، بل المهم عندهم هو جني الأرباح .وعندها هل يعود أحد يسأل لماذا ينزل الناس الى الشوارع ويعتصمون في الميادين؟
عندما يكون البلد واقعاً تحت حكم المافيات على اختلاف مسمياتها توقعوا ان يحصل أي شيء، وهذا الذي يجري ليس إلا بداية الغيث.

New Page 1