Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : السلمية قوة لكم والبلطجة ضعف لهم

المحرر
26-11-2019
مرَّت أربعون يوماً على الانتفاضة الرائعة في لبنان، وذلك على الرغم من كل محاولات إجهاضها ومحاولات دفنها في المهد. وبالعكس من ذلك، فإنها تشهد ولادات جديدة، ونزلاء جدد في كل الساحات، فتزداد تألقاً وإصراراً ووعياً.
من يراقب، في هذه اللحظات، ما يجري في ميادين الانتفاضة في لبنان لن تخفى عليه علامات الضيق التي تكتم أنفاس من يقفون بالضد منها، ممن وصفوها وما زالوا يصفونها بالمؤامرة. وفي القابل لا يخفى عليه إصرار من رفع الصوت وما زال يرفعه مطالباً بحقوقه بهدوء وروية مصراً على الصراخ طالما ظلَّ في زواريب الدولة اللبنانية من يعيث بها فساداً.
في ساحات الشرف اليوم، تعجُّ بباقات الورود من طالبات وطلاب، فاجأونا بمدى وعيهم لحقوقهم. وبباقات من العمال الذين كوى الجوع بطونهم، ولم يعد لديهم الصبر للسكوت فانفجروا صراخاً في وجه من كان السبب في تجويعهم. وبباقات من المثقفين والرسامين والفنانين الذين حملوا هم أبناء جلدتهم واعتبروه رسالة لن يتخلوا عنها. هؤلاء جميعهم فاضوا من ثقافتهم الشيء الكثير من أجل تصويب الأهداف وتعميقها، وترشيد الوسائل وتنظيمها بوعي ومسؤولية. والفنانون الذين أعلوا صوت الثورة وأوصلوه إلى كل المسامع والآذان. وأما عن الرسامين، فكان لهم دور خاص، وكان من أكثر الولادات لفتاً للنظر، يدرك كنهها من رافق مرحلة الحرب الأهلية التي اجتاحت لبنان في السبعينيات من القرن الماضي. كانت مشاهد الجدران في مرحلة المأساة مصبوغة بعبارات (أبو الظلام مرَّ من هنا)، و(أبو الموت مرَّ من هناك).. ولكن في هذه المرحلة تحوَّلت الجدران إلى لوحات فنية رائعة، تدعو إلى الفهم الحضاري للثورات بأهدافها ووسائلها. وبدلاً من أن تكون دعوة للموت والثأر، تحولت إلى دعوة للسلام والصفاء الوطني الرافض لجدران الفصل بين المناطق والطوائف.
وفي المقابل، وللتمييز بين الأضداد، وعلى الرغم من اعتراف جميع أحزاب ا لسلطة، بأحقية المطالب التي رفعتها ساحات الشرف. وبدلاً من أن تجد حلولاً لتلك المطالب. فقد راحت تواجهها بالتخوين والتآمر، ليس لسبب إلاَّ لأنها كشفت مفاسدهم في شتى حقول التهم والجرائم، وعرَّتهم من شهادات نظافة الكف التي يزعمونها. وقدَّمت الأدلة والبراهين ضد ما تراكم على تلك الأكفِّ من أوساخ تهم الفساد. وكشفت ساحات الشرف عن عقود تبادل المصالح بين أطراف السلطة، ويا ويلهم إذا أخذ البعض منهم يكشف مفاسد الآخر، فسوف يفلت الحبل على غاربه، وسوف يتبادلون التهم، لأن عند كل منهم الخبر اليقين والدليل الأكيد عن جرائم الآخر.
لكل ذلك، وإذا كانت أحزاب السلطة قد انقسمت إلى اتجاهين:
-يزعم أحدهما أنه مع الشعب في انتفاضته، ولكنه في الحقيقة يعمل على امتلاك أوراق قوة في وجه التيار الآخر ليستخدمها على طاولة تسوية جديدة لإعادة توزيع الحصص.
-وأما الآخر، فقد وقف منذ البداية في مواجهة مع المنتفضين متهماً إياهم بالتخوين والتآمر، وعاملاً على إجهاض الانتفاضة بوسائل الترهيب والترغيب. وأما عن وسائل الترغيب، فليس لديه أكثر من وعود عرقوبية من واعد لا ثقة به. ولذلك، هدد منذ البداية بإجهاض الانتفاضة، بشتى الوسائل. وكانت آخر مبتكراته القيام بمسيرات الدراجات النارية، والاعتداء في أكثر من مكان على المنتفضين باستخدام وسائل الإهانة وحرق الخيم، والضرب بالهراوات. وباختصار، استخدام طريقة (أبو الظلام مرِّ من هنا ، وابو الموت مر من هناك ) وأضرابها من كتابات الجدران الميليشياوية التي عرفتها الحرب الأهلية في لبنان في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي.
مشهدان متناقضان: مشهد حضاري يمثله الشعب المنتفض، ومشهد ميليشياوي يعرضه الاتجاه المعادي للانتفاضة الشعبية.
إن مشهد الانتفاضة بشتى ساحاتها، وشتى شرائح المشاركين بها، لهو دليل قوة شبيهة بـ(قوة الحق)، أقسموا على سلوكها مهما كان الثمن. وأما مشهد المعادين لها، فهو استحضار للمشهد الميليشياوي الذي أدى هو بالذات إلى الوقوع في حرب أهلية خسر فيها الجميع، ولم يكسب منها لبنان شيئاً بل دفع ثمناً أغلى من الذهب.
أيها المنتفضون في ساحة الشرف، إن سلمية انتفاضتكم دليل قوة، وأما الذين اختاروا طريق العداء لها، فيسلكون سلوك الضعيف العاجز عن نشر الحق.
ان انتفاضتكم بسلميتها هي التي تقود إلى مزيد من الوحدة بين أبناء لبنان الواحد، وبئساً لبلطجتهم التي تعمل على المزيد من التفتيت بين صفوف هذا الشعب.

New Page 1