Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


من بيروت إلى بغداد ويستمر الحراك الشعبي لإنهاء الاستلاب الوطني الاجتماعي

طليعة لبنان الواحد
26-11-2019
في توقيت شبه متزامن، انطلق حراك شعبي في كل من لبنان والعراق، وهو دخل شهره الثاني مدفوعاً بذات الزخم الشعبي الضاغط من خلال الساحات والميادين على المنظومة السلطوية في كلا البلدين ومتماهياً بذات الأسباب.
قد يتساءل البعض عن سبب هذا التزامن، هل ثمة محرك واحد بعناوينه المختلفة دفع بالالاف المؤلفة للنزول إلى الشارع، أم ثمة من يرد هذا الذي جرى ويجري في هاتين الساحتين إلى نظرية المؤامرة؟
إن الذين يسقطون نظرية المؤامرة على الحراك الشعبي، هم الذين يتماهون مع المنظومات السلطوية الحاكمة في هذين البلدين على مستوى إدارة الداخل وعلى مستوى إدارة العلاقة مع الخارج سواء كان دولياً أو إقليمياً وهم بذلك يتجاهلون كلياً إرادة الفعل الذاتي للشعوب، وينظرون إليها بأنها مجرد متلق لإملاءات وتوجيهات لتنفيذ أجندات أهداف القوى الخارجية استناداً إلى متكأت داخلية وواضح إن الذين يسقطون نظرية المؤامرة على الحراك الشعبي إنما يأخذون بقاعدة ازدواجية المعايير في التعامل مع الحالات المتشابهة.
إن هذه الازدواجية في الرؤية التي تصاغ على أساسها المواقف تسقط عن أصحابها الصدقية والموضوعية لأنها تتبنى المواقف بالاستناد إلى الأهواء والميول السياسية بغض النظر عن معطى الوقائع الموضوعية التي تفرض نفسها.
وإذا كنا لا نسقط التأثيرات الخارجية عن أي حراك شعبي في ساحة وطن يقع على خط تقاطع الاستراتيجيات الدولية والإقليمية المتقابلة، إلا أن الموضوعية تفرض مقاربة هذا الذي يجري في بعض الساحات العربية من خلال توفر الشروط الذاتية لهذا الحراك الشعبي الذي بات سمة من سمات العشر الأخيرة من السنوات المنصرمة وبعيداً عن نظرية المؤامرة.
فالشعوب ككتلة جمعية متى تتحرك؟ إنها تتحرك عند توفر واحدة من اثنتين، أما وجود حالة استلاب وطني عندما يكون البلد واقعاً تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر كنظام الوصاية أو الهيمنة على قراره أو الارتهان لمركز تقرير وتحكم وتوجيه خارجي، وأما وجود حالة استلاب اجتماعي، عندما يكون البلد يعيش تحت وطأة تثقيل اجتماعي يحرم المواطن أبسط حقوقه الطبيعية في توفر مستلزمات الأمن الحياتي والمعيشي.
في حالة الاستلاب الوطني، يأخذ الحراك الشعبي بتعبيراته المختلفة طابع المقاومة وتصبح الانتفاضة حركة مقاومة ضد احتلال مكشوف أو مقنع وبشكل أكثر وضوحاً، فإن الحراك ضد المحتل أو المهيمن أو المنتدب أو الوصي، يندرج تحت عنوان التحرير الوطني.
وفي حالة الاستلاب الاجتماعي يأخذ الحراك الشعبي طابع الانتفاضة الشعبية ضد المنظومة السلطوية.
إن واحداً من هذين الاستلابين كافٍ لتفجير ثورة شعبية، فكيف إذا توفر الأثنان؟!
في العراق تبدو الصورة أكثر وضوحاً لتوفر هذين الاستلابين حيث يرزح منذ عام 2003 تحت احتلال مركب (أميركي-إيراني) وأن من يدير السلطة، إنما هي منظومة أفرزها الاحتلال الأميركي ومن ثم احتواها النظام الإيراني بعدما أطلقت يده بعد الانسحاب الأميركي عام /2011، قبل أن يعود الاخير بصيغة أخرى تحت حجة مواجهة "الإرهاب". وهذه المنظومة لم تدر البلاد بالطريقة التي توفر الشروط الأساسية لاستقرار اجتماعي واقتصادي، وتعيد بناء ما دمرته الحرب بناء وطنياً يشعر المواطن العراقي بأنه متظلل بخيمة وطنية وله حق بثروة بلاده من خلال رزمة الضمانات الاجتماعية الواجب توفرها له، بل إدارته وفق إملاءات وتوجيه النظام الإيراني وقبله المحتل الأميركي، ومارست كل أشكال الموبيقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل نظام قام على المحاصصة وتوزيع المغانم على القوى الممسكة بالسلطة ورهنت ثروة البلاد النفطية للشركات الأميركية، وما يعود للعراق من مردود لم يضخ إلى الداخل بل وضع في خدمة الاقتصاد الإيراني لتخفيف اختناقاته وتمويل مشروع التغول الإيراني في العراق وعبره إلى العمق القومي. وهكذا وجد المواطن العراقي نفسه تحت تأثير وضغط استلابين وطني واجتماعي. فكان لا بد وأن يثور وأن ينفجر بوجه مصادري إرادته الوطنية وناهبي ثروته وبعدما صنفت دولة العراق كواحدة بأن الدول الفاشلة نظراً لاستفحال ظاهرة الفساد وتحكم اللصوص بسلطته والذين شخصهم الصحافي العربي الكبير محمد حسنين هيكل، بأن من يحكم العراق هم مجموعة لصوص سطوا على بنك وسرقوا مدخراته.
وكما حال العراق، هو حال لبنان، حيث ينوء تحت ضغط تثقيلين، تثقيل اجتماعي- اقتصادي – معيشي، وتثقيل سياسي .الأول وفر كل الشروط للأزمة لتحقق الاستلاب الاجتماعي، والثاني وفر كل الشروط للأزمة لتحقق حاله الاستلاب لإرادة التقرير الوطني في تحديد خياراته السياسية نتيجة التجاذب لفرض تموضع لبنان كدولة في موقع متصادم مع موقع آخر.
لقد أطلقت الشرارة للحراك الشعبي في العراق، انعدام منظومة الخدمات، واستنفار الشعور الوطني ضد التغول الإيراني في كل مفاصل الحياة، وأطلقت الشرارة الأولى للحراك الشعبي في لبنان ورزمة الضرائب التي فرضت سابقاً والتي كانت في طريقها للفرض على ذوي الدخل المحدود والشرائح المتوسطة من العاملين في القطاع العام لاحقاً.
هذه الانتفاضة التي قطعت شهرها الأول مستمرة تحت نفس العناوين وهي أخذة بالتبلور، وهي استطاعت حتى الآن أن تحقق إنجازات هامة، أولها أنها أسقطت الحكومة في لبنان إلا أنها لم تسقطها حتى الآن في العراق، لأن المندوب السامي الإيراني أعطى توجيهات حازمة بعدم الرضوخ لطلب استقالة الحكومة ورسم خارطة طريق قمع الانتفاضة بقوة الحديد والنار والمراهنة على تعب الشارع، لكن الجواب جاء من الشارع، أن الشعب لم يتعب وهو ماضٍ في انتفاضته حتى تحقيق أهدافه وهي اعادة الاعتبار لهوية العراق الوطنية، وإسقاط المنظومة التي أشرفت على تنفيذ ورعاية الاستلاب الاجتماعي.
وفي لبنان، فإن الانتفاضة مستمرة، وهي دائماً تبتكر أساليب جديدة.
لقد استطاعت إسقاط الحكومة، وحاصرت المجلس النيابي، وحالت دون انعقاد جلساته وكشفت عقم الأداء الرئاسي، بحيث بات الكل السلطوي في مأزق، علماً أنه ما زال يكابر ويمانع الاعتراف بالواقع الجديد، ولم يع أن هذه المطالب الشعبية هي حقوق، وهذه الحقوق تم اغتصابها وكل ما يطالب الشعب به هو استعادتها.
إن الشعب يطالب بحق الوصول إلى فرص العمل، وحق الوصول إلى المدرسة والجامعة، وحق الوصول إلى المستشفى، وحق الوصول إلى السكن الآمن ، وحق الوصول إلى الرغيف، وحق العيش بكرامة وحق محاسبة ناهبي المال العام، وحق مكافحة الفساد ومحاكمة الفاسدين وحق استعادة الدولة، دولة الرعاية الاجتماعية ودولة سيادة القانون والشرعية وترجمة ذلك بالأداء السلطوي.
ولأجل الوصول إلى هذا الحق، حددت الانتفاضة ثلاث مسارات للخروج من أتون هذه الأزمة :سياسي،واقتصادي –اجتماعي وقضائي الاول ويقضي بإعادة تكوين السلطة على أسس وطنية لبناء الدولة الوطنية المدنية وإقامة النظام الديموقراطي القائم على الفصل بين السلطات ونظام المواطنة على أنقاض نظام المحاصصة الطائفية.
وإذا كان المساران الأخران القضائي والاقتصادي –الاجتماعي يمثلان أهمية في إنهاء حكم منظومة الفساد من خلال إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية وإطلاق ورشة الإصلاح القضائي والإداري، وتفعيل دور الهيئات الرقابية، فإن الأهمية تبقى للمسار الساسي، لأنه إذا لم يتم اعادة تكوين السلطة على أسس وطنية، فإن المنظومة السلطوية التي تظهر وكأنها انحنت أمام العاصفة الشعبية سرعان ما تعود إلى سابق عهدها، وتلتف على كل ما طرحته الانتفاضة الشعبية من رزمة حقوق متوجبة لها.
من هنا، فإن المدخل السريع للخروج من الأزمة هو بتشكيل حكومة من ذوي الكفاءات المشهود لهم بالوطنية وأصحاب الأكف النظيفة وإعطائها صلاحيات تشريعية لإصدار مراسيم تعالج من خلال تطبيق أحكامها كل الاختلالات في البنية السياسية للسلطة كما كل الاختلالات في بنية النظام الاقتصادي وإخراجه من نطاق الاقتصاد الريعي الذي أوقع البلد في مديونية رهيبة واستجاب لاملاءات صناديق الاستثمارات الدولية إلى نظام الاقتصاد الإنتاجي في حقله الأساسيين الصناعي والزراعي وحتى يؤدي هذا النظام الاقتصادي دوره في تأمين مستلزمات الأمن الاجتماعي – المعيشي للشرائح الأوسع من الشعب.
على هذا الأساس، فإن التركيز على توظيف الضغط الشعبي لوضع خرطية طريق تنطلق من ضرورة أحداث اختراق في البنية السياسية للنظام وإعادة تكوين السلطة استناداً إلى قانون انتخابي وطني وخارج القيد الطائفي إنما يشكل المدخل الفعلي الذي يجب أن يبنى عليه في معطى لحظة سياسية لم يشهد لبنان مثيلاً لها وقد لا تتكرر بهذا الحجم والمستوى إذا ما أجهضت ولم تستطع تحقيق الأرضية للبناء السياسي الجديد.
ولهذا يجب أن يستمر الضغط بالشارع بأساليب التعبير السلمي والديمقراطي،حتى ولو تعرضت هذه الانتفاضة للقمع فيجب أن تبقى متمسكة بسلميتها وباستمرارها وتماسكها حول برنامجها بعناوينه المرفوعة بما يمكنها من تحقيق اهدافهاوالأكثر أهمية هو إسقاط الأساس السياسي للمنظومة الحاكمة في العراق كما في لبنان.
هذا الحراك الذي بات يشكل علامة مضيئة في الواقع الشعبي العربي مستمر لأنه منتج وطني في العراق، كما هو منتج وطني في لبنان، ومحاولة سعي البعض الالتفاف عليه وتجيره أو ركوب موجته ستسقط كما ستسقط محاولات اختراقه وصرفه عن أهدافه، لأن الهدف الذي يرمي إليه يرتبط بإعادة صياغة النظام الساسي في العراق كما في لبنان وعلى قاعدة إسقاط نتائج حالتي الاستلاب الوطني والاجتماعي، وها هما على طريق السقوط أن لم يكن بهذه الجولة فبالجولة التي تلي لأن الشعب هدم جدار الخوف واستعاد ثقته بنفسه، وها هو يترجم ذلك بالسياسة.



New Page 1