Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : قراءة أولى لما يحدث في لبنان

المحرر
04-11-2019
قراءة أولى لما يحدث في لبنان:
1 ــ إن الانفجار الشعبي العارم في السابع عشر من تشرين الاول 2019 يؤكد حتمية تاريخية صارت واضحة المعالم رغم أن مكوّنات هذه الحتمية التاريخية لا تزال في منطلقاتها الأولى، وهذه الحتمية تتلخلص بالجملة التالية: إنّ لبنان الكيان والمجتع والسياسة بعد السابع عشر من نيسان ليس لبنان الذي كان قبل هذا التاريخ. نعم الآن نعيش مَخاض وولادةَ لبنان آخر، وانطلاقاً من حقيقة هذه الحتمية المتكونة نستطيع إن نؤكد أنّ ما يحدث هو انتفاضة حقيقية، وهذه هي التسمية الحقيقية لهذا الانفجار العارم لأن مكونات هذا الانفجار هي الشعب، وأدواته الفقراء والمعوزون والباحثون عن" وطن في الوطن "يؤمِّن لهم عيشاً كريماً، وأجيال من الشباب التي تقتبل حياتها بلا عملٍ وبلا أدنى أنواع الضمان في حياة كريمة وقبولة. كلّ هذا أدى إلى أزمة المفاهيم بين صيغة السلطة التقليدية في التعاطي مع الدولة والمجتمع وثورة تغيير تمثل جيلاً جديداً يرى مستقبله يتكون ضمن صيغة اجتماعية مختلفة تمثل النقيض الكامل للسائد الطائفي والسياسي، لذلك اجتمعت السلطة من أجل إجهاضها بكل الوسائل، فالصراع بين الطرفين لم يزل في بدايته، ولا يمكن التكهن بمجرياته، خصوصاً أنها انتفاضة غير تقليدية تستمد جزءاً من قوتها من ارتباك السلطة وارتكاباتها، سلطة تعاني من فشل أدواتها في إمكانية إنهاء هذه الانتفاضة. إنها انتفاضة شعب معبرة عن روح هذا الشعب وحاجاته وتطلعاته إلى مستقبل صحيح.
"إن ما يحصل هو أفق جديد لا يحتاج إلى من يرشِده أو يوجهه أو يرسم له طريق خلاصه، هو أفق مولد لذاته ويخلق حاضره ويتولد مستقبله من داخله، أفق يمتد لأجيال وعقود، أفق يطوي صفحة واقع قائم وأنماط تفكير وأطر علاقات وتضامنات وصلت إلى طريق مسدودة، ويفكك واقعاً أنتج هويات قلقة خائفة عدوانية متضخمة"

2 ــ والأكيد في كونها انتفاضة وجودٍ تتلخص في الكلمة الشهيرة لوليم شكسبير: "نكون أو لا نكون" أنها انتفاضة شعبية واجتماعية وسياسية تخطت المذاهب والطوائف التي كانت قد جعلت لبنان الآفل مزرعة لملوك الطوائف والمذاهب وأزلامهم وأتباعهم ومرتزِقتهم. كان السياسيون التقليديون الآفلون إلى غير رجعة يضحكون على ذقون الناس بالتلطّي وراء المذهب والطائفة لاستمرار وجودهم على مقاعد مصنوعة من لقمة عيش الفقراء وعرق جبينهم. اليوم المسلم والمسيحي والدرزي لهم حنجرة واحدة تهتف: الموت للفساد والمفسدين، وللذين سرقوا أموال الشعب وهرّبوها إلى الخارج باعتباره هو الوطن المنتظر. اليوم، في طرابلس يهتفون للمنتفضين في النبطية وصور وبعلبك، وفي هذه المناطق أيضاً يهتف المنتفضون لطرابلس ولغيرها في مختلف المناطق، وجميعاً يصدحون بحنجرة واحدة:
أجراسُ الثــــورةِ فلتَقــــرعْ من "نهر البارد" لـ"المصنعْ"
ومن "الناقورة" لـ"العاصي" كي نطمــــــرَ هذا المستنــقعْ
لقد خرج المنتفضون الذين يملأون الساحات، ولا علَم في أيديهم وفوق رؤوسهم سوى العلم اللبناني. ولا شعار إلا محاربة الفساد والمفسدين وطردهم من ضمير الوطن، وطبعاً من مراكزهم التي تلوثت بالفساد والنهب والسمسرة. لقد جرفت هذه الانتفاضة البشارة الطائفية والمذهبية إلى خارج الروح اللبنانية. في الشارع كان من الصعب أن تميز إنساناً عن غيره بالمذهب والطائفة. كان لبنان وحده هو الحاضر. لقد وحدت هذه الانتفاضة اللبنانيين خارج الطائفة والمذهب وهذا أحوج ما كنا بحاجة إليه.
والذي حدث في الجنوب والشمال له دلالات واضحة وعميقة، فقد كانت القوى الشعبية الثائرة في النبطية وصور وبعلبك تهتف ضد المتسلطين حتى ولو كانوا من أتباعهم. وهذا ما يبعد فرضية المؤامرة بمعناها الكبير، فمن الذي يحرك ابن النبطية مثلاً في الجنوب للهتاف ضد طرفين هما طرفان أساسيان من السلطة التي كانا يهتفان ضدها ويدعوان إلى إسقاطها. فعلاً الجوع وحَّد الجميع وأزاح الطائفية والمذهبية جانباً، والجوع هنا ليس فقط الجوع إلى الخبز، وإنما هو الحاجة لكل مقومات الحياة الكريمة والحال ذاته في مناطق أخرى .
3 ــ إن الذي يعصم هذه الانتفاضة من الزلل والملل والضعف هو أنها انتفاضة شباب، شباب في أعمارهم، واندفاعهم وإصرارهم على أن لا يتركوا وطنهم، ولن يكون وطناً صحيحاً وصحيّاً إلاّ إذا كفى أبناءه الشبابَ الوقوفَ على أبواب السفارات طلباً لفيزا، لا يعرف بعد الحصول عليها متى يرجع إلى أهله ووطنه. شباب حملوا العلم اللبناني وأحياناً شهاداتهم الجامعية التي لم تجد عملاً لحاملها، وحملوا تصميمهم على خلق سلطةً تقيهم شر مغادرة الوطن. وإذا كان الشباب قوةً فلا بدّ من أن ينتصر، وقديماً قال المتنبي: "آلة العيش صحةٌ وشبابٌ". لو نزل الكهول إلى الشارع فسيكونون أقل صموداً من الشباب، وليس هذا استصغاراً لهم، بل ربما رفدوا الشباب بخبرتهم وتجاربهم، ولكن آلة العيش صحة وشبابٌ. عنصر الشباب يرعب السلطات الفاسدة والمفسدة لأن أعمار الشباب أطول، ولأنهم لم يتلوّثوا بعد، والمثالية تكمن في عنصر الشباب بحضور أعلى، وهي تدفعهم باستمرار لمنع الخطأ والخطيئة. والشباب في مقتبل أعمارهم يكونون أبعد عن التلوث بسرطان الطائفية والمذهب. وما نراه اليوم في الساحات يؤكد ما نقوله.
4 ــ تتميز هذه الانتفاضة الواعدة بعفويتها، وهذا أصدق وأروع ما يجعلك داعماً لها ومنخرطاً في صفوفها بلا وجل، لأنها نقية وغير ملوثة. هذه العفوية تحتاج إلى توجيه يتناسب مع عفويتها ونقائها، وربما تخطئ بعفويتها أحياناً لنقص في خبرتها، إلاّ أنها لن تنحرف أبداً لأن منطلقاتها متكونة من عناصر صدق وأصالة وسلامة موقف. عفوية الانتفاضة جعلتها أبعد عن القيادات الحزبية ربما لأنها انطلقت من عمر الشباب، وربما لمنع الخلافات الحزبية من التسلل إلى صفوفها. ومع ذلك فقد انخرط في صفوفها نماذج حزبية نقية ونظيفة، وامتزجت مع عفوية المنتفضين بانسجامٍ عال، وهذا واضح في الساحات الممتلئة بالفعل ووحدة المطالب وسلامة المشارب.
5 ــ والانتفاضة عفوية في منطلقاتها بسبب عفوية وصدق مطالبها. فالذي يجمع بين جميع المتواجدين في ساحات الاعتصام والاحتجاج والمطالبة هو الحاجة التي تجمعهم جميعاً، وتجعلهم أصحاب حنجرة واحدة وشعار واحد وموقف واحد. كثيرمن المتواجدين أوضاعهم مزرية، ويعيشون تحت خط الفقر، بعضهم لا يجد قوتاً دائماً لنفسه ولأهله، وبعضهم لا يستطيع دخول مستشفى لعلاج نفسه وعلاج أطفاله، وإذا دخل مستشفى لا يستطيع تأمين الدواء بسبب خضوع أسعار الأدوية للتجار والمحتكرين وأصحاب الشركات الجشعة. ونحن جميعاً نشاهد على شاشات الإعلام المرئي صوراً تقشعر لها الأبدان. وبعض العائلات لا تستطيع تأمين الأقساط لتعليم أطفالها بسبب عدم قدرة المدرسة الرسمية على استيعاب الفائض من الطلاب، ولا تستطيع تأمين الكتب والقرطاسية. واليوم بدأ فصل الشتاء يجثم على كل الناس، والناس تحتاج المازوت الذي بدأت أسعاره تقارب سعر البنزين. أما الكهرباء فتستطيع أن تقول فيها أكثر مما قال مالك في الخمر، ويكفي هنا أن نشير إلى ما قالته السلطة نفسها من أن خسائر الكهرباء سنوياً تتجاوز ملياريْ دولار، وأن أكثر من ثلاثين بالمئة من الديون على الدولة كان بسبب الهدر والسرقات في مؤسسة كهرباء لبنان. مع أن الدول التي فيها رقابة تربح من القطاع الكهربائي إذا صانته صيانة صحيحة. أما قطاع المولدات فقد صار مصوناً ومحافَظاً عليه من مافياوات سلطوية. وهذا معروف من أقصى الوطن إلى أقصاه الآخر, والحلول التي وضعتها السلطة لحل لغز الكهرباء لا تزال لعزاً محيّراً. إذ من سنوات طويلة ويقولون سنجد حلاً لكهرباء تضيء أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، إلى أنْ اكتشِفَ فيما بعد أنّ مافيا في السلطة لجني المليارات من قطاع الكهرباء.ولن نتوقف طويلاً عند كلفة الخليوي التي هي من أعلى ما يوجد في العالم. والمافيا السلطوية كانت تريد فرض أثمان على مكالمات الواتز أب.
6 ــ إن عجز الدولة عن حل أزمة المواطن جعل ترميم العجز يتراكم ويصبح باهظ التكلفة، وعجل هذا العجز في سرعة انفجار الشارع، الذي بدأ يرى بوضوح عجز الدولة. وأخطر ما في هذا العجز أنه مرتبط بالسرقات التي يمارسها أصحاب النفوذ في السلطة، وأسوأ ما في السلطة العجز والفساد، وحين يجتمع العجز والفساد يصبح الشارع الوسيلة الوحيد للتغيير. عجز في الطب والدواء وعجز في استيعاب التلاميذ، عجز في الكهرباء، عجز عن الانكفاء عن السرقات، عجز في إيجاد مكبّات للنفايات، وعجز في الإحساس. وهذا لا يحتاج إلى أدلة، فأركان السلطة أنفسهم يعترفون بسرقة الأموال ويقولون سنعيد الأموال المنهوبة، فمن هو الناهب ومن هو المنهوب!!! أما النفايات فقد صارت تشبه التلال والهضاب في لبنان بلد الجمال. واللافت الذي لا يطاق في ملف النفايات أن العجز مترافق مع السرقات، ويبدو أن سوكلين صارت بقرة حلوباً عند المتسلطين عليها. ومنذ سنوات وهم يفتشون عن حلول للمشكلة النفايات، ويعجزون ويعرقلون في آن.
7 ــ إن انفجار الشارع اللبناني وعجز الدولة عن ترميم عجزها ونهبها المزمنيْن جعل المسؤولين يتبادلون التهم بعد العجز عن سيطرتهم على الشارع. والتهم جاهزة والعمالة جاهزة في أذهان المسؤولين. ويتساءل الإنسان، هل هذه الجموع المنتفضة التي تجاوزت المليون عميلة أم هي صاحبة حق فيما تدعو إليه، وذات حاجة صعبة المنال. إن مطالب الشارع انطلقت من القضايا المطلبية الملحّة، وهي على كل حال مرتبطة بالسياسة، فحين يرتبط كثير من أجنحة السلطة بجهات خارجية لا بدّ من أن ينعكس هذا على اقتصاد الوطن. وأعتقد أن هذه النقطة لا تحتاج إلى برهان، فالأمور واضحة والاتهامات المتبادلة أوضح. إنّ الجهات الخارجية توظف الداخل لمصالحها حتى ولو تناقضت مصالحها مع مصالح الوطن. وهذه هي مشكلة المشاكل في لبنان.
8 ــ فساد السلطة الحاكمة، والفساد في السلطة اللبنانية كان يظهر في منحييْن متلازميْن، وهما السرقات وإهمال مؤسسات المرفق العام التي كان عليها واجب المراقبة وإصلاح ما فسد من مقومات الدولة. وإذا كانت السرقات واضحة وعلنية وأصحاب السلطة يتراشقون بها علناً دون خجلٍ، فإن الإهمال كان مهيمناً على الدولة وكانت مغيبة حتى لكأنها في نومة أهل الكهف. خصوصاً وأن الأزمة الاقتصادية باتت مفتوحة على مخاطر ستؤدي تداعياتها إلى زعزعة المتاريس الطائفية التي لجأت إليها قوى تكابر وترفض الاعتراف بالمتحولات. لقد سقطت كل المتاريس في هذه الانتفاضة المعبرة عن أزمة المواطن الحقيقية.



New Page 1