Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


بعدما تمادت عملية "التفريس" عروبة العراق في خطر

طليعة لبنان الواحد
18-09-2019
منذ وضعت الحرب الإيرانية – العراقية أوزارها، وقع العراق في عين العاصفة، بحيث بدأت تهب عليه الرياح العاتية من كل صوب وحدب. كانت أولى هذه الرياح الحصار التجاري الذي فرض عليه وهو الذي خرج من حرب استنزفت قدراته الاقتصادية واحتياطه النقدي. وكان واضحاً أن هذا الحصار كان تحضيراً لخطوات أكثر تأثيراً على البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعبة العراقية. وهذا ما حصل بكل الظروف والملابسات التي رافقت عملية الدخول إلى الكويت، ومن ثم العدوان الثلاثيني والحصار الظالم الذي استمر لثلاثة عشر عاما، وكانت ذروة العمل العدواني الذي بدأ ترسم خطوطه نهاية الثمانينات لغزو عام / 2003 الذي أدى إلى احتلال العراق تحت ذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ونسج علاقة مع القاعدة وهي تنظيم مصنف وفق المعايير الدولية بأنها تنظيم إرهابي.
إن العراق تعرض للغزو، لأنه لا العدوان الثلاثيني، ولا الحصار استطاعا أن يسقطا الحكم الوطني، ولهذا لم تجد أميركا سبيلاً لإسقاطه إلا الغزو والاحتلال سنداً للمبررات التي أطلقتها والتي ثبت أنها مجرد مزاعم تنطوي على أكاذيب وباعتراف رسمي أميركي.
على مدى خمسة عشر عاماً بقي العراق تحت المجهر الإعلامي، والإعلام يلاحق الصغيرة والكبيرة، لكن ما أن وقع الاحتلال، حتى بدأ التعتيم الإعلامي على ما يجري في ساحته. لقد جرى التعتيم الإعلامي على أعمال التعذيب الرهيبة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأميركي ضد المواطنين العراقيين، وأكثرها فظاعة هي التي كانت تنفذ في سجن أبو غريب، ولولا بعض الصور والمشاهد التي سربت، لبقيت أعمال التعذيب التي نفذتها الأجهزة الأمنية والمخابراتية الأميركية طي الكتمان. كما أن التعتيم شمل العمليات التي كانت تنفذها المقاومة الوطنية العراقية ضد قوات الاحتلال الأميركي وقوات المرتزقة التي استقدمت لتعمل بتوجيه من القوات النظامية. لكن حجم العمليات والخسائر المرتفعة في صفوف قوات الاحتلال، جعل من الصعب التعمية عليها وخرجت إلى الإعلام، وكانت محصلة المقاومة أن دفعت المحتل الأميركي للإعلان عن سحب قواته في جنح الظلام نهاية 2011.
إن أميركا كدولة قائمة بالاحتلال ارتكبت جريمتين أساسيتين بحق العراق وشعبه إضافة إلى جريمة الاحتلال التي ارتكبتها.
الجريمة الأولى، انها عملت على تشكيل منظومة فاسدة لإدارة العراق تحت مظلة الرعاية الأميركية وهذه المنظومة وكما وصفها الصحافي العربي الكبير محمد حسنين هيكل "بأن حالها في حكم العراق كحال مجموعة من اللصوص سطت على مصرف ونهبت مدخراته". والذي حصل لايخرج عن ذاك التوصيف. وهو ما كان أشار إليه المرحوم المناضل طارق عزيز عضو القيادة القومية للحزب عضو مجلس قيادة الثورة عندما سئل عن وجود معارضة في الخارج، فقال" هؤلاء ليسوا معارضة أنهم مجموعة لصوص، لو قيض لهم حكم العراق لنهبوا ثرواته وأفقروا شعبه "وهذا هو واقع الحال اليوم.
أما الجريمة الثانية التي ارتكبتها أميركا وهي أفظع من الأولى بنتائجها، فهي أنها أدخلت النظام الإيراني كنظام وصي على العملية السياسية التي أفرزتها. وتحولت هذه الوصاية إلى احتلال مباشر، بدأ باطنياً ثم ما لبث أن تحول علنياً وباعتراف إيراني مباشر، عندما أعلن مسؤولو النظام الإيراني بأن سيطرتهم باتت تامة على بغداد، وأنها ستعود عاصمة تاريخية للإمبراطورية الفارسية (لاحظوا استعمال الإمبراطورية الفارسية بدل الإيرانية).
ما أن أطلقت اليد الإيرانية في العراق حتى بدأت تنفيذ مشروعها الذي ينطوي على إسقاط هوية العراق العربية، وعلى تفكيك بنية دولته الوطنية والتي أسس لها المحتل الأميركي، وعلى الهيمنة على القرار السياسي للسلطة المعتبرة حاكمة للعراق، وعلى توظيف ثروة العراق في خدمة الاقتصاد الإيراني والأنفاق الإيراني على التغول في العمق القومي العربي، والأهم من كل ذلك أحداث تغيير في التركيب الديموغرافي لشعب العراق، سواء بتوطين ملايين من الفرس في العراق وتنسيبهم إلى السجلات المدنية، أو بتهجير أعداد كبيرة من سكان العراق وخاصة في مناطق الاختلاط السكاني، والإشراف المباشر على تدمير مدن بكاملها ومنع سكانها من العودة إليها أو إعادة أعمارها كما هو حال ديالا وجرف الصخر والموصل وحواضر نينوى والأنبار بكل مدنها ومحيط بغداد وإضافة إلى ذلك.فإن القوى الميلشياوية المرتبطة بالنظام الإيراني وبتوجيه مباشر من حكام طهران، أقدمت على خطف المواطنين الذي برزوا في حركة الاحتجاج الشعبي ضد الفساد والجوع وانعدام الخدمات في البصرة والناصرية والعمارة ومدن الفرات الأوسط، وهؤلاء باتوا في عداد المفقودين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً وأن بعضهم دمرت منازلهم كي لا يعودون إليها أسوة بما حصل في مدن غرب العراق.
هذا الذي يجري في العراق يتم في ظل تعتيم إعلامي مطبق، وأكثر ما يلفت النظر ويجدر التوقف، هو إقدام الميليشيات الطائفية المنضوية تحت مسمى الحشد الشعبي، أنها باتت تقدم نفسها بأنها هي "القوة الأمنية الشرعية"، وهي التي تشرف ليس على التحكم بالإدارة السياسية وحسب، بل تقوم أيضاً بإكمال مخطط النظام الإيراني بوصول التغيير في التركيب الديموغرافي إلى امداءاته القصوى، ولهذا تقوم عناصرها باعتقال المواطنين العراقيين الذين هم مقاومون لفرسنة العراق ومن ثم إخضاعهم للتعذيب وتصفيتهم. وقد ظهرت في الأونة الأخيرة مقابر جماعية لمن تمت تصفيتهم، وبالأمس القريب صرح أحد وجوه عشائر العراق في الفلوجة بأنه تم خطف 700 / رجل من مختلف الأعمار من بلدة الصكلاوة قرب الفلوجة ولا يزال مصيرهم مجهولاً، وهذه الواقعة هي على سبيل المثال لا الحصر، إذ أن عشرات الألوف هم قيد الاختفاء القسري وربما تكون جرت تصفيتهم.
إن هذا الذي يجري في العراق في ظل التعتيم الإعلامي هو على قدر كبير من الخطورة. وهذه الخطورة لا تقتصر على طبيعة المنظومة السياسية الحاكمة نظرياً والمنخورة بالفساد، بل تكمن في تفكيك البنية الوطنية العراقية ومعها البنية المجتمعية، وتغيير التركيب الديموغرافي، عبر إغراق العراق بغير العرب، وتنظيم عملية تهجير (ترانسفير) للعرب من مدنهم، ومن لم يهاجر تحت ضغط وقائع التدمير للمدن ومنع العودة إليها،يتم خطفه وإخفاءه وتصفيته حال كل من يطلق موقفاً معترضاً على التغول الإيراني في العراق والذي يفرض هيمنته على كل مفاصل الحياة ويروج لمنظومات مفاهيم وعادات فارسية تتناقض كلياً مع المفاهيم والعادات العربية.
إن الذي يجري في العراق اليوم وفي ظل تعتيم اعلامي هو عملية تفريس موصوفة تنفذ تحت مظلة الراعي الأميركي وهذه تنفذ بأيدي ميليشيات تحمل هوية عراقية إسمية لكنها تمارس الولاء المطلق لنظام ولي الفقيه.
ولهذا فإن عروبة العراق في خطر، ومخاطر التفريس لم يعد يعبر عنه بموقف إيراني علني، بل تترجم بإجراءات تتناول كل مناحي الحياة العراقية وكل التركيب المجتمعي. وهذا المشروع لو قيض له النفاذ، فإن الأطباق على العراق يصبح شاملاً، والأمة العربية لن تكون أفضل حالاً بعدما انكشف العراق ومعه انكشف الأمن القومي العربي برمته.
إن هذا الذي تتعرض له أقطار الخليج العربي من اعتداءات وآخرها قصف مصافي النفط في المملكة العربية السعودية ما كان ليحصل لولا لم تسقط القلعة العراقية وتستباح أرض العراق من قبل المحتلين الأميركيين والايرانيين وعملائهم،وعلّ العرب يدركون هذه الحقيقة ولو متأخرين وهم الذين سهلوا عملية غزو العراق واحتلاله وتدميره،وها هم اليوم باتوا في عين العاصفة .
من هان، فإن المسؤولية القومية على المستوى الشعبي والرسمي تتطلب التعامل مع قضية العراق الوطنية بأنها قضية قومية، وإن إسقاط العراق بعروبته ووحدته سيفقد الأمة أحداهم ركاز مناعتها، ومن يعتبر أن النظام الإيراني هو الركيزة في ما يسمى بمحور المقاومة والممانعة، عليه أن يعي ولو متأخراً أن مشروع هذا النظام يشكل الرديف الموضوعي للمشروع الصهيوني، وتفريس العراق ينتج نفس المفاعيل التي تنتجها عملية صهينة فلسطين على أمن المكونات الوطنية والأمن القومي العربي برمته.
نقول تحركوا يا عرب لإنقاذ العراق من التفريس لأنه بإنقاذه تضعون القدم على طريق إسقاط صهينة فلسطين بدءاً من إسقاط "صفقة القرن"وتوفرون مظلة عربية لحماية أجوائكم بدل منظومات الحماية الأجنبية المفروضة عليكم بقصد الابتزاز المالي ونهب الثروات وإلا لا ينفع الندم لاحقاً والقول "أكلت يوم أكل الثور الأبيض."

New Page 1