Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : النزوح السوري والانفعالية السياسية

المحرر
12-06-2019
ارتفعت في الاونة الاخيرة الاصوات التي تدعو الى تحميل النزوح السوري جانباً اساسياً من الازمة الاقتصادية التي ينوء تحتها لبنان. وقد ركزت هذه الاصوات على ان النزوح ادى الى تضييق فرص العمل امام اللبنانين سواء لجهة منافسة اليد العاملة السورية لمثيلتها اللبنانية المهنية والحرفية وغيرها ، او لجهة استهلاك الطاقة المائية والكهربائية ، او لجهة التلوث البيئي من جراء الانتشار العشوائي للمخيمات وعدم وجود شبكات للصرف الصحي وتدني مستوى الخدمات الطبية ....الخ. وقدصادف ان ترافق اطلاق هذه الاصوات مع حملة في اكثر من منطقة تستهدف محلات تتعاطى بيع الخضروات والخرضوات ودكاكين صغيرة وعمدت الى اقفالها وختمها بالشمع الاحمر ،بحجة عدم استيفاء اصحاب هذه المصالح الشروط التي تمكنهم من الاستثمار وفق الاصول التي تحكمها الانظمة والقوانين المرعية الاجراء.
كما صادف ان ترافق مع اطلاق هذه الاصوات تعرض بعض المخيمات للحرق والعبث بها وكما حصل في دير الاحمر على سبيل المثال لا الحصر. هذه الحملة التي تشن على النازحين تحت عنوان تحمليهم مسؤولية الازمة بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية ،سبقها حملة ضد النزوح من زاوية رفض التوطين وكأن توطين النازحين السوريين حاصل.
في المقاربة الموضوعية لملف النزوح السوري فإن لبنان وان لم يكن الوحيد من دول التخوم السوري الذي عبرت حدوده اعداد كبيرة من النازحين الا انه بالنظر الى امكاناته هو الاضعف ،وان الانتشار العشوائي للمخيمات لم يكن بسسب رغبة النازحين بل بسسب رفض السلطات اللبنانية انشاء مخيمات مسورة اسوة بتلك التي اقيمت في الاردن وتركيا والتي سهلت عملية ضبطها وتسهيل تقديمات الخدمات الانسانية والاجتماعية لها .
اما وان هذا لم يحصل فلاسباب لاعلاقة للنازحين بها . هذا من جهة اما من جهة ثانية ،فإن مما لاشك به ،ان نسبة استهلاك الطاقة المائية والكهربائية زادت من جراء هذا النزوح، ومما لاشك فيه ايضاً ان اليد العاملة السورية شغلت حيزاً من سوق العمل وخاصة في قطاع البناء والقطاع الزراعي ، ومما لا شك فيه ايضاً ان اليد العاملة السورية ارخص من اليد العاملة اللبنانية ان توفرت ،ومما لاشك فيه ايضاً ان الانتشار العشوائي للمخيمات وعدم وجود شبكات صرف صحي احدث ارباكاً في منظومة خدمات المرافق الصحية حيثما تواجدت المخيمات. ان كل هذا صحيح ، لكن ان يحمل النزوح السوري العبء الاكبر من تداعيات الازمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي ترخي ظلالها الثقيلة على الواقع اللبناني فهذا هو غير الصحيح بعينه.
ونبدأ ،هل كانت فرص العمل متوفرة للبنانيين قبل النزوح وانعدمت بوجوده ؟ وهل كانت اليدالعاملة اللبنانية هي التي تغطي سوق العمل وخاصة في قطاعي البناء والزراعة؟ وهل كانت الكهرباء مؤمنة للبنانيين على مدى اليوم قبل النزوح وهل كانت مياه الشفة تصل الى المشتركين بانتظام وخالية من اي تلوث؟ وهل كان نهر الليطاني صافياً صفاء دمع العين؟ وهل كان الشاطئ اللبناني خالياً من الملوثات قبل النزوح وحيث لا اثر لنازح سوري في العديد من مناطق خط الساحل ؟وهل جبال النفايات لم تكن موجودة قبل النزوح على تخوم المدن الساحلية ؟.
ان كل هذا الذي جرت الاشارة اليه كان موجوداً قبل النزوح وهو اذ ارتفع منسوبه فليس بسسب النزوح -وان كان احداً لاينفي تثقيله للوضع اللبناني- بل هو موجود وارتفع منسوبه بسسبب منظومة الفساد التي تمسك بمفاصل السلطة والتي لم تترك مجالاً من مجالات الحياة الا واغرقته بفسادها ، من الفساد المالي الى الفساد الادراي ، ومن الفساد الاجتماعي الى الفساد الاقتصادي وكل هذا الفساد يندرج تحت عنوان عريض هو الفساد السياسي. ولذلك فإنه من الظلم تحميل النزوح السوري تداعيات الازمة بكل مضامينها. واما ان يهرب البعض ليصوب صوب النزوح ،في خطاب وظيفته الاساسية شعبوية فئوية فلان هذا البعض يدرك كما غيره من اطراف السلطة ان بيوتهم كلها من زجاج ، واذا ماصوب نحو شريكه الموضوعي وبيته من زجاج فسوف يصوب عليه بالمقابل وكل بيوتهم من زجاج .
ان الذي يحرض على الوجود السوري النازح يعرف كما غيره ان عودة النازحين الى ارضهم التي هجروا منها لاتتم بهذه الانفعالية الشعبوية كما يعرف ان توطين السوريين ليس مطروحاً ولاهوضمن اجندة القوى المعنية بالملف السوري ، ولذلك فإن مقاربة ملف النزوح السور ي بهذا الشكل الذي يتم التدوال السياسي به وبهذه الانفعاليةواسقاط بعض الاوصاف والممارسات عليه باعتباره المسؤول الاول والاخير عن الوضع المأزوم ففيه ظلم للنازحين اولاً وتحميلهم وزر ازمة ليسو مسؤولين عنها ثانياً ، وتوظيف واقعهم المرير في صراع الداخل اللبناني استناداً الى معطى خطاب سياسي فئوي يضيف تعقيداً جديداً الى مسارالازمة التي ستبقى طالما بقي البلد يدار بعقلية المحاصصة الطائفية والسياسية . ان قضية النزوح السوري لاتعالج بهذه الانفعالية السياسية ولا يقارب بخطاب شعبوي بل تعالج عبر الاطار الوطني وضمن معطى مصلحة لبنان الوطنية التي لايحدد مواصفاتها فريق تحكم خطابه الفئوية السياسية وحدود تأثيراتها بعض من مكون مجتمعي ،بل تحددها رؤية وطنية شاملة تر ى التعامل مع ملف النزوح السوري بعيداً عن التوظيف السياسي الرخيص وتتم مقاربته برؤية وطنية وقومية انسانيةوبما يساعد على عودتهم الامنة والكريمة الى سوريا ، واية مقاربة عكس هذا تعقد ولا تسهل وازمة لبنان ليست بحاجة الى تعقيدات اضافية لان فيه مايكفي.

New Page 1