Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : هل تحرك قضية جورج زريق الوجدان الجمعي؟

المحرر
11-02-2019
مرت، مروراً عابراً قضية حرق المواطن جورج زريق لنفسه، ولولا بعض التعليقات والتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي والوقفات المحدودة العدد، لما كان عرف بهذه الحادثة المأسوية والتي لو حصلت في بلاد تحترم فيها حقوق المواطنة، وحق الإنسان في توفر مقومات حياتية أمنة له بكل مضامينها الاجتماعية والمعيشية وهو حق المواطن على الدولة، لكانت حصلت هزة سياسية، أو على الأقل دفعت المرجع الأول على رأس الهرم الإداري في المؤسسة المعنية للاستقالة لخطورة الأسباب التي أدت إلى إقدام مواطن على حرق نفسه.
إن ردود الفعل على الحادثة المأسوية أدت إلى تقزيم الأسباب، فالبعض ذهب إلى تحميل المدرسة المسؤولية، والبعض الآخر وقف على الحياد، وبعض ثالث استثارته القضية فعلق متضامناً فقط .
إن هذه الردود لم تقارب القضية كما يجب أن تقارب، لأن إقدام مواطن على حرق نفسه لتعذر حصوله على إفادة مدرسية، ليست كافية لتدفع به لأن يحرق نفسه. قد يكون هذا الحدث النقطة التي طفح الكيل بها بعدما تراكمت لديه ندوبات الغصات الاجتماعية التي يعاني منها وأولها ضحالة المداخيل وعدم قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية من مسكن وملبس ومأكل وطبابة وتعليم.
لو كانت المدرسة الرسمية اوليت الاهتمام الكافي، وشعر كل مواطن أنها ملاذه التربوي لتأهيل فلذات أكباده وبما يمكنهم من الولوج إلى سوق العمل في نظام تتوفر فيه شروط تكافؤ الفرص، لما واجه معاناة في أقساط مدرسة خاصة قد تكون مسؤولة بنسبة معينة أو قد لا تكون ولسنا هنا في مجال المحاكمة.
لو كان جورج زريق تيسر له دفع الأقساط، لما كان راجع وترجى واستمهل إلى أن قضى الله أمراً كان مقضياً.
إن السبب المباشر لهذه الحادثة المفجعة، هو ضعف المدرسة الرسمية من ناحية، وضعف موارد الضحية من ناحية ثانية، وهذه الحالة التي فجع الرأي العام بها ليست حالة منعزلة عن حالات كثيرة، بعضها تطل عليه وسائل الإعلام وبعضها يبقى مكتوماً. ففي كل يوم عشرات لا مئات الأشخاص الذين يموتون ليس بحرق أنفسهم، بل بالموت أمام المستشفيات الخاصة والحكومية، وعشرات يموتون على الطرق، ومئات يموتون من سواء التغذية والأمراض السارية والمستعصية والاختناق ولا أحد يدري بهم.
إذاً ، إن المسؤولية الفعلية، إنما تقع على المنظومة الحاكمة التي لم تفسد النظام الإداري وحسب، بل أفسدت كل المنظومة القيمية للحياة الإنسانية.
فإذا كان جورج زريق قد فارق الحياة بحرق جسده بالمفهوم المادي للحرق، فكم من الناس يموتون حرقة من جوع وعراء ومرض وانعدام أمل بالمستقبل.
من هنا، فإنه أن كان من مسؤولية معنوية عن مسببات هذه الحادثة الأليمة، فإنما المسؤولية تقع على عاتق هذا النظام الفاسد والمفسد للحياة الاجتماعية.
وهذه المسؤولية هي مسؤولية سياسية وأخلاقية، ومن كان مسؤولاً يتحمل تبعات مسؤوليته، وتبعات هذه المسؤوليات ليست بالمبادرة لجمع تبرعات من هنا و هناك لمواجهة متطلبات هذه الحالة حصراً، بل بإزالة الأسباب التي أدت إلى هذه المأساة.
إن هذه الحادثة المؤلمة هي شاهد على شواهد فقدان مقومات الأمن الحياتي بكل مضامينه، والتي تودي يومياً بحياة العشرات والمئات وتجعل شريحة واسعة من الناس منعدمة القدرة على تلبية حاجاتها الأساسيةوهي تواجه نفس الظروف والمصير.
لقد أدى حرق محمد أبو عزيزة لنفسه في تونس إلى ثورة شعبية أسقطت النظام، وحالة حرق جورج زريق لنفسه، يجب أن لا يتم احتواء نتائجها بتبرعات شخصية من هنا وهناك بل بثورة على المنظومة الفاسدة التي تتحكم برقاب العباد وتقبض على مقدرات البلاد، وتجعل الناس ضحايا وضع تحكمه المحاصصة الطائفية والسياسية من كل الطوائف وكل المذاهب.
وحتى لا تقزم قضية جورج زريق وتصور وكأنها ناتجة عن إشكالية الحصول على إفادة يجب تحويلها إلى قضية رأي عام، قضية كل إنسان يموت حرقاً و غرقاً ومرضاً وجوعاً واختناقاً. وتحريك الادعاء هي مسؤولية القوى التي تأخذ على عاتقها مواجهة منظومة الفساد الحاكمة والادعاء بالشخصي والعام على كل مسبب لجرائم بحق الإنسان، وما أكثرها وقضية جورج زريق نموذجاً وإذا لم تكن جريمة كالتي أودت بحياة إنسان انسدت أمامه سبل النجاة من ضائقة الحياة لا تحرك الوجدان الجمعي، فمتى يتحرك؟



New Page 1