Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


في مواجهة المسيرات المليونية في لبنان تبقى مسيرات الشباب الألوفية خطوة صحيحة نحو التغيير (الجزء الاول)

حسن خليل غريب
30-09-2018

لا تغيير حقيقي من دون تغيير ثقافي:
تعريف الشباب البيولوجي والشباب الثقافي:
نحن الشباب لنا الغد، ليست فلتة شاعر يهتم بالوزن والقافية أكثر مما يثبِّت حقيقة تستند إليها المجتمعات في التغيير نحو الأحسن، حيث إن الشباب هو رمز للتجدد والتجديد. وبما أن الشباب رمز التجدد في الحياة، وعلى عاتقه تقع مسؤولية استلام مهمة استمرار الإنتاج من السلف، والإنتاج لا يعني ما يقوم الساعد بعبئه فقط، بل ما يقوم العقل بأوده أيضاً، يعني ذلك أن للتجديد جناحان: الساعد المفتول والعقل النيِّر. فللشباب، بهذه المفاهيم، وجهان: الوجه البيولوجي والوجه الثقافي. فالوجه البيولوجي هو الجناح التنفيذي، والوجه الثقافي هو الجناح المخطط.
وهنا لا نعني بالشباب المرحلة البيولوجية التي تشكل مرحلة من عمر الإنسان الجسدية وتركيبه البيولولوجي فحسب، وإنما نعني المرحلة الثقافية الشابة أيضاً، أي المرحلة التي تواكب كل جديد في الإطار الثقافي، والتي تسابق الزمن بتطوير المعرفة وتعميقها وتجديدها حتى لا تتخلف فيه عن أحدث أنواعها وأشكالها. وهنا نعني بمرحلة الشباب حالة التكامل ما بين مرحلة الشباب البيولوجي والشباب الثقافي.
واستناداً إليه، كم نرى، من الناحية البيولوجية، كهولاً كادوا يسيرون بعجز على ثلاثة أرجل بينما هم يسيرون على رجلين ثقافيتين نشطتين تحاكي أرجل الشباب بالنشاط والحيوية. وكم نرى شباباً يفيضون حيوية بيولوجية لكنهم يسيرون على أربعة أرجل من عجز الشيخوخة الثقافية. فالصنف الأول نعدهم بين الشباب بينما الصنف الثاني نحسبهم من بين الذين بلغوا من العمر عتيّا. والأكمل بين هذا وذاك أن يجمع الإنسان بين حيوية بيولوجية وحيوية ثقافية تحمل بذور التجديد الدائم.
ولما كانت الثقافات متعددة تعدد المجتمعات وكثرتها، وتعدد الإيديولوجيات وتضاربها، نعني بالثقافة هنا، هي تلك التي تلبي حاجة المجتمعات الوطنية، وليست حاجة التجمعات العرقية أو الطائفية، لتطوير أسس حياتها في شتى المجالات على أن تحاكي عامل الزمن والعصر والدولة الحديثة.
فهناك، استناداً إلى المفهوم الذي نقيس به الثقافة، العديد من الثقافات التي ننسبها إلى عمر الشيخوخة، لأنها كانت من إنتاج عصور سابقة قد تعود مصادرها إلى مئات السنين، وحتى وإن كانت تلك الثقافات تلبي حاجة المجتمع في زمانها ومكانها السابقين، إلاَّ أن مقاييس الحكم عليها الآن بالشباب أو الشيخوخة هو مدى تجاوبها مع روح العصر، ومدى استجابتها لحاجات المجتمع الحديث والمعاصر. وإذا كان الجواب بالنفي، وهو غالباً سيكون كذلك، فحكمنا عليها أنها أصبحت من العمر عتيا ولا يمكن أن تنتسب إلى عصر الفتوة والشباب حتى ولو اعتنقها الآن ممن هم يُصنَّفون شباباً بالمقاييس البيولوجية.
وإنما الثقافة الشابة أيضاً، هي التي تحاكي روح العصر على المستوى الإنساني للبشرية جمعاء، والتي تكتسب سمات الحداثة بمعناها الواسع، أي هي التي تستجيب لحاجات المجتمعات الحديثة والمعاصرة. وعلى أن تتميز بسمات الثقافة الإنسانية التي تعمل على ردم الفجوة تدريجياً بين مفاهيم المجتمعات المختلفة.
ولذلك من حاز على ثقافة يعود عمرها إلى عمر الشيخوخة فهو هرم ولا صلة له بالشباب حتى ولو كان شاباً بالمفهوم البيولوجي. ومن حاز على ثقافة الحداثة والمعاصرة فهو شاب بالمعنى النفسي والاجتماعي حتى ولو كان من الشيوخ المعمِّرين بيولوجياً.
استناداً إلى تعريف مفهومنا للثقافة يمكننا تحديد مفهومنا لمن نعتبره شيخاً طاعناً في السن، أو لمن نعتبره شاباً في ريعان شبابه.
نحن الشباب لنا الغد، شعار حديث ومعاصر لأنه يعمل على إسقاط ثقافة أصبحت بالية بالمفهوم التغييري، والتغيير الثقافي يحتاج إلى أجيال ليكمل دورته ويتعمَّق في وعيها. وإن رفع الشباب السقف الأعلى للتغيير السياسي إلاَّ أن عليه أن يبقى ضمن حدود الواقع في الحصول على إنجازات مرحلية لتتلوها إنجازات أخرى. ولأن أساس المشكلة ثقافية، أي أن تغيير ثقافة الأمر الواقع إلى ثقافة الرجاء المنشود لا بُدَّ من أن تمر بتحولات محكومة بعامل الزمن، كان من العلمية أن تعي الفئات الشابة تلك الحقيقة، أي أن تتميَّز بعامل الصبر والوعي معاً. وعن ذلك، فقد زرع الوطنيون الأوائل شعارات لا تزال صالحة للنضال من أجلها، ووضعوا الكثير من المداميك التي على الشباب أن يبنوا عليها، كما أنه علىهم في هذه المرحلة أن يقوموا بتعميقها وتأسيس حركة مستمرة ليكمل من يأتي بعدهم من الشباب في المستقبل طريقهم.
وقياساً إلى تلك المعايير دعونا نلقي نظرة فاحصة على ما يدور على الساحة اللبنانية من حراك نعتبره حراكاً جديداً متميزاً بأنه حرَّك سطح المياه التي كانت راكدة إلى الأمس القريب. الأمس الذي بدت فيه آمال التغيير قد أخذت تضيق خاصة أن الواقع الطائفي والحقن الطائفي في لبنان بلغ مستويات خطيرة، كان اللبنانيون بسببه ينتظرون اندلاع الحريق في أية لحظة.
لم يكن الحراك السياسي الدولي والعربي في لبنان، الذي أوقف اندلاع الحريق في أكثر من مرة يعمل لإيجاد حل جذري للمسألة الطائفية في لبنان، وإنما كانت معظم أهدافه القصوى أن يُنجز ما سُمِّي بـ«إدارة الأزمة في لبنان»، أي ترسيخ مفهوم النظام الطائفي السياسي واعتباره «نظاماً نهائياً» لإدارة المجتمع اللبناني، خاصة أن هذا النظام يلبي مصالح النخب الطائفية اللبنانية من جهة، ويثبِّت أقدام سياسة «الاستقواء بالخارج» من جهة أخرى.
في ظل استمرار قواعد النظام الطائفي السياسي، كنظام يُحكم لبنان على أساسه، برضى من طائفيي لبنان، وضغط من الخارج المستفيد من استمراره، جاء نزول الشباب إلى الشارع ليشكل حراكاً واعداً سلك الخطوة الأولى على طريق ألف ميل التغيير لهذا النظام. ولأننا نعتبر أن أي حراك لا يملك، ولن يملك، عصاً سحرية تنتج له التغيير بسرعة قياسية، أي عن طريق مارد يخرج من خاتم سليمان ليلبي طلبات سيده في اللحظة التي يتلفظ بها، فإننا لا نزال نعتقد بأن للتغيير مراحل لا يستطيع أحد حرقها إلاَّ ويقع في محاذير الرومانسية.
وبناء عليه، نعتبر المسيرات التي يتم تنظيمها اليوم في لبنان، من أقصاه إلى أقصاه، ثورة شبابية بالفعل، لأنها ثورة ثقافية حديثة جاءت لتنقلب ضد ثقافة نظام أثبتت التجارب التاريخية فشلها، وهي بلا شك أصبحت من الثقافات الهرمة. كما تبرهن أهدافها في تغيير النظام الطائفي السياسي على حقيقة شباب هذه الثورة، خاصة أن هذا النظام أثبت عجزه عن التعبير عن حاجات المجتمع اللبناني المتعدد الانتماءات الطائفية.
كما أنه في الوقت ذاته تعطي هذه المسيرات إشارات واضحة إلى أن من ينخرطون في الشارع إنما يقومون أولاً بتجميع من يمتلكون ثقافة الشباب، ثقافة الوطن، ثقافة عصر الدولة المدنية الحديثة، من أجل تمهيد الطريق للتغيير بثورة ثقافية على الصعيد الأفقي في المجتمع اللبناني ثانياً. وإن أهمية هذه البدايات تستند إلى أنه لا يمكن للتغيير أن يولد طبيعياً وجذرياً من دون ثقافة تحدد له معالمه وزواياه وأعماقه، وبالتالي تساعده على معرفة من أين يبدأ وأين سينتهي؟
في هذه الدراسة سنقوم بمعالجة بعض الجوانب التي نحسب أنها تفيد حركة الشباب الواعدة، ومن أهمها الإشكاليات التالية:
أولاً: ثقافة الطوائف من الثقافات الهرمة.
ثانياً: واجب التمييز بين الثقافة الروحية والثقافة الطائفية
ثالثاً: ثقافة الطوائف والمال السياسي الطائفي بداية فعلية لتقسيم لبنان.
رابعاً: ثقافة الطوائف ومعالم التغيير المرحلي:
خامساً: ثقافة الدولة المدنية شبابية بامتياز

(يتبع في الجزء الثاني)

New Page 1