Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


أزهار الحياة بدل أزهار الموت

الدكتور علي بيان
17-04-2018
المقدمة: يواجه لبنان أزماتٍ متعدِّدةَ الجوانب من أبرزها زراعة وتصنيع وتجارة واستهلاك المخدّرات من قبل نسبة من المواطنين، وجميع هذه النشاطات ممنوعة بموجب القوانين المحليّة والدوليّة. هذا القطاع، رغم توفيره دخلاً مرتفعاً لمجموعةٍ من السكان: المزارعين، والمصنّعين، والتجار الكبار والصغار، يؤثّر مباشرةً على مستهلكي المخدرات، وبشكل غير مباشر على الممارسات التي يقومون بها والتي تكون في معظم الأحيان سلبيّةً وضارّةً نتيجةً للتأثير على الجهاز العصبي كعمليّات القتل وحوادث السيّر، والتعرّض لعوارضَ مرضيّةٍ قد تصل إلى درجة الإعاقة العقليّة والجسديّة، ناهيك عن المتاعب الناتجة عن أعمال تلف زراعات المخدّرات، والملاحقات الأمنيّة والقضائيّة، وحرمان من عليهم مذكّرات توقيف من ممارسة حياتهم الطبيعيّة، وكذلك التكاليف الماديّة المضافة في المحاكمات والسجون، ومعاناة السجناء الموقوفين بسبب تعاطي المخدّرات أو الإتجار بها إضافةً إلى ذويهم.
تتركّز زراعة المخدّرات في محافظة بعلبك-الهرمل لكنّ تصنيعها والتجارة بمنتجاتها تشمل أكثر من منطقة في لبنان. ألسبب الرئيسي الذي يطرحه من يعملون في هذا الحقل هو عدم توفّر بدائل تؤمّن دخلاً مناسباً لهم رغم أنّ نسبتهم إلى مجموع سكان المحافظة (حوالي 350000 نسمة) محدودة، وألأوضاع الإقتصاديّة والمعيشيّة فيها ليست أسوأ من مناطق أخرى في لبنان. رغم كلّ ذلك لا يجوز عدم الإلتفات إلى هذه الحالة بموضوعيّة ومسئوليّة من خلال العمل على إيجاد بدائل حقيقيّة تؤمّن دخلاً مناسباً للمواطنين.
بدائل ممكنة
حيث إنّ قطاع المخدّرات يشكّل بالأساس مجالاً من مجالات النشاطات الزراعيّة والصناعيّة والتجاريّة فإنّ الإجراءات الواجب الولوج في تطبيقها تبدأ بإيجاد زراعات بديلة، وتأمين تصريف الإنتاج مباشرةّ أو بشكلٍ غير مباشر من خلال التصنيع ممّا يوجب التعاون والتنسيق بين وزارات الزراعة، والصناعة، والإقتصاد والتجارة.
من الزراعات الناجحة في البقاع الشمالي إضافة إلى الحبوب الشتويّة والصيفيّة على أنواعها، والخضار، والقطن والبصل والثوم، وأشجار الفاكهة خاصّةً متساقطة الأوراق هي الذرة وميّال الشمس. في ستينيّات القرن الماضي وُضِعَت خطّة لتشجيع زراعة (ميّال الشمس)، وأقبل الناس على تلك الزراعة بحيث أنّ من كان يمرّ بسيارته على الطريق الرئيسي من أبلح إلى القاع يرى نباتات ميّال الشمس تميل نحو الشرق بأقراصها ذات الألوان المتعدِدة، والأوراق الخضراء، بمشهد طبيعيّ قلَّ نظيرُه جمالاً، ولهذا السبب سُمِّيَ هذا المحصول كذلك عبّاد الشّمس ودوّار الشّمس وزهرة الشَمس، والتسمية الأخيرة مستمدّة من الأسم العلمي (Helianthus annuus L). ولكن، ومع الأسف، توقف دعم ورعاية المؤسّسات الحكوميّة المعنيّة لهذا المحصول بعد عدة سنوات ممّا أدّى إلى اندثاره واصبح من يتجوّل في المنطقة لا يرى إلاّ أعداداً محدودةً من النباتات إمّا في حدائق منزليّة أو بين محاصيل أخرى.
قديماً استعمل الهنود الحمر في أميركا الشماليّة بذور ميّال الشّمس كدقيق للخبز وللحصول على زيتها الذي يحتوي على أحماض دهنيّة أساسيّة غير مشبّعة، وفيتامينات (A,B,D,E)، وعناصر كيميائيّة ذات تأثير صحيّ إيجابي وفعّال مثل المغنيسيوم والزنك والفوسفور والنحاس والسيلينيوم، إضافة إلى مادة الفلورين وغير ذلك.
يعتبر ميّال الشّمس ثالث محصول زيتي في العالم بعد فول الصويا والفول السوداني، وتتراوح نسبة الزيت في بزوره ما بين 35-55%، كما تتروح نسبة البروتين بين 12-24%. إضافةً إلى ما ورد أعلاه فإنّ الموادّ المتبقّية عن عصر البذور تشكّل واحداً من أهمّ أنواع الكسب (العلف الحيواني) الذي قد تصل نسبة البروتين فيه إلى أكثر من 40%، ويمكن تصنيع الجذوع بأشكال مختلفة من الورق والكرتون وغير ذلك من المنتجات السلّيلوزية. وإذا ما وضعت قفران النّحل لزيادة خصوبة البذور ورفع الإنتاجيّة في الحقول فإنّ كل دونم يمكن ان يوفّر كيلوغراماّ من العسل خلال الموسم.
ألخلاصة: لا شكّ أنّ المردود الإقتصادي لوحدة المساحة لميّال الشّمس لا يوازي المردود الناتج عن زراعة المخدّرات، لكنّ هذا المحصول كلّه فوائد في حين أنّ المخدّرات كلّها مضارّ. إنّ وزارة الزراعة مدعوّة لإعادة تفعيل زراعة ميّال الشّمس في البقاع الشمالي من خلال مساعدة المزارعين بتأمين مرشدين زراعيّين، وبذور محسّنة ذات إنتاجيّة عالية، وآلات البذار والحصاد، واستلام المحصول بأسعار مدعومة، والتنسيق مع وزارة الصناعة لاستلام المحصول من قبل المصانع المتخصّصة بإنتاج الزيوت، ووزارعة الصناعة والتجارة لحماية الإنتاج المحلّي من المنافسة الخارجيّة وتأمين أسواق لتصدير الفائض من الإنتاج، كما أنّ وزارة الطاقة والمياه يمكن أن تساهم بشكل فعّال بزيادة المخزون المائي من خلال مشاريع حفظ فائض المتساقطات من أمطار وثلوج بدل أن تذهب هدراً وما تسببه السيول من أضرار وتخريب للمنشآت، والأراضي الزراعيّة، والطرقات.
إنّ البلديّات والمجالس الإختياريّة ومنظمّات المجتمع المدني في محافظة بعلبك-الهرمل يمكن أن تقوم بدور فعّال على صعيد التوعية والتوجيه للإنتقال من زراعة المخدّرات الضارّة إلى زراعة المحاصيل الأخرى النّافعة وفي المقدّمة منها ميّال الشّمس.

New Page 1