Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


المحرر السياسي : بلد تشعله كلمة ولا يُقعده إلاَّ اعتذار

المحرر
30-01-2018
بداية لا بُدَّ من استنكارنا لاستخدام كل كلام نابٍ في التخاطب بين البشر، ويزداد استنكارنا لكل كلام يصدر عن مسؤول ضد مسؤول آخر يتشاركان في عملية سياسية واحدة، وتحت خيمة نظام طائفي سياسي واحد. فالكلام النابي يعبِّر عن عجز في الإقناع، وعن قلة حيلة في تبرير السبب الذي يوجِّه فيه صاحب الكلام النابي شتائمه ضد الآخر.
آداب الكلام سمة للرزانة والتعقل، كما هو سمة من أهم سمات المتعارضين أو المتناقضين في المواقف والآراء. فالشتيمة تواجهها الشتيمة، والكلام غير المهذَّب يواجهه كلام غير مهذَّب. والحبل في الجدل يمتد على الوتيرة نفسها التي تتصاعد فيه الشتائم والسباب.
ولكن لو خرج المتحاورون عن أسس الحوار، حتى بين الأشخاص العاديين، فيمكنهم اللجوء إلى الوسطاء لإصلاح ذات البين، وإعادة الحوار إلى قواعده السليمة. وإذا لم يجدوا من يعيد المتحاورين إلى جادة الحوار السليم، فيمكنهم اللجوء إلى القانون. لأن القانون كما حفظ الحق بإبداء الرأي، إلاَّ أنه وضع له حدوداً إذا ما تمَّ تجاوزها فيخضع ساعتئذٍ المسيء إلى المحاكم التي بدورها تحدد المسؤوليات وتتخذ الحكم المناسب.
وإننا، عندما نتكلَّم عن قواعد الحوار، أو التخاطب بين أبناء المجتمع الإنساني، وخاصة بين أبناء المجتمع الواحد، أو بين مسؤولي النظام الواحد، فلن نكون رومانسيين في مجتمع تحكمه قواعد الدولة المدنية. ولكننا سنتحول إلى رومانسيين إذا دعونا ما دعونا إليه في مجتمع ينخره سوس الطائفية، خاصة وأن الطائفية السياسية هي من أشد عوامل تفكيك المجتمع لأنه الأكثر تعصبية من بين أمراضنا الاجتماعية. فرأس القيم في هكذا مجتمع هو الدفاع عن المذهب، ظالماً أكان أم مظلوما، على حساب الدفاع عن الوطن. والدفاع عن رئيس المذهب السياسي، ظالماً أكان أم مظلوما، على حساب الدفاع عن موقعه الرسمي الذي يخوِّله أن يكون رمزاً لكل المجتمع اللبناني أياً كانت الطائفة التي يمثِّلها.
ولأن هذا هو واقعنا الاجتماعي، فلن نتعجِّب من أن يثير كلام وزير خارجية لبنان، الذي أساء فيه إلى رئيس السلطة التشريعية، شارعاً طائفياً دون غيره، لأنه يعتبره رمزاً سياسياً لطائفته. هذا الشارع الذي أشعله الكلام المسيء لأحد رئيسيْ طائفته، ما كان ليتحرك لو كانت الإساءة لاحقة برئيس سياسي لطائفة أخرى.
ولأنها ليست الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقد سبقتها حوادث أخرى مع رؤساء طوائف أخرى، وسوف تتبعها أحداث مماثلة كلما دقَّ (كوز الشتائم) بـ(جرَّة رئيس طائفي سياسي) آخر.
ما عسانا نقول، متَّعظين مما حصل في السابق، وما حصل اليوم، ومما سيحصل في المستقبل؟
حرام يا بلدنا أن تكوينا نيران الطائفية، ونيران المحاصصات الطائفية. أما آن للبنانيين أن يعودوا إلى الوطن؟ أما آن لهم أن يثوروا جمعياً للمحافظة على كرامة من يتبوأ الرئاسات الثلاث، لأنهم يمثِّلون رموزاً وطنية، وليسوا رؤوساء لطوائفهم؟
أما آن لنا أن نخرج من متاهة (تشعلنا كلمة وتطفئنا كلمة)؟
أما آن لنا أن نحاسب الجميع على مواقفهم من حقوقنا؟
أما آن لنا أن نقفز فوق العصبيات الطائفية، وندخل رحاب الوطن؟
أما آن لنا أن نعتبر (خيار قومهم أفضل من شرار قومنا)؟
وأخيراً،
فليخرج اللبنانيون من متاهة (تُشعلنا كلمة، ولا يُقعدنا إلاَّ اعتذار).

New Page 1