Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


نجوى أبو زيد ترثي المفكر الأستاذ بدر الدين مدثر في الذكرى العاشرة لرحيله

الهدف
28-01-2018

لماذا أجد نفسي أتحدث في منبر البعث فقط عند مناسبات الحزن لدينا؟
أعلم إن حرفي يصيبه الشجن، ولكن ما أعلمه أكثر إن الحزن نبل، وإن تأبين رجال البعث كذلك نبل، واليوم تحديداً تسرقني الذاكرة بعيداً، نعم بعيداً.. حين كنا صغاراً، وأن تكون مكافأتك بعد أن تنجز مهامك الدراسية، أن تذهب لدار البعث عصراً، كان هذا أجمل ما يسعدنا، لأننا نشعر إننا ذاهبون لبيت آخر في ذات الحي لا يبعد عنا سوى بضع خطوات، وكان العرس الأكبر لنا أن نذهب لدارنا الكبرى، أو أن يكون هناك احتفاءً، أو معرضاً في إحدى ساحات وبراحات الخرطوم، النقية وقتها، وفي الصف الأمامي كما الخلفي، هناك أناس يحملون عشق البعث بكل المعاني، وكان يجلس هو بتواضعه المتفرد، بحضوره المحبب، بإحساسنا تجاه إنه أتى من بغداد، ليخبرنا إننا بخير، إننا بقوة، وإن النصر حليفنا دوما، وأن لا تخافون، طالما أنتم مؤمنون.
كان الراحل الأستاذ الرفيق بدر الدين مدثر شخص في حضرته لا تعرف الخوف أبداً، بل تستمد الصدق من نظرة الحقيقة لديه، ومن رسوخ إيمانه، كل الصمود فيه، وكنا ننشد نحن أمامه وأمام ذواتنا والجميع.
من لم يكن منكم فدائياً فلا معنى لأن يحكي عن الأطفال في حيفا، وعن وجع المخيم، والبنادق حين تغتال الطفولة والسلام ونردد:
بعثين.. وحات اسم الله بعثين..
لا بنسرق مخازن العيش
ولا بنتاجر باسم الدين
ولا صافحت يد السفاح يد قائدنا بدر الدين..
وبعثين.. وحات اسم الله بعثين..
نحن اليوم لابد أن نتباهى به، كما كنا دائماً، ونباهي ذواتنا أكثر وأكثر، أن من عشق دروب البعث وارتضاها لن يهاب المشانق، ولن يهاب الفقر والجوع والتشريد، واليوم لنقف قليلا ونصمت.. نعم أغلب الصمت كلام حق لم ننطقه، لأننا نجده شيئاً يسيرا من واجبنا تجاه قيمنا ومبادئنا، وإن البعثي الذي يضحي لكي يستفيد في آخر المطاف سلاما وحرية، ليس شخصاً اعتيادياً، بل هو رمز في تاريخ الإنسانية، وإن البعثي الذي لا تشغله شواغل الساسة والعاديين من البشر، أن يصبح له بيتاً، وفارهة، وبعض أموال مدخرة، من أجل مستقبل مضمون، وهو يعلم جلياً أن جل ما يضمن حياتنا بصيغة الجمع التي تربى عليها، أن نسعى لتحرير أنفسنا وأوطاننا من قيود عبثت بنا، وبأوطاننا، وعندها سنبقى جميعنا نتشارك الفرح، وذات المعاني الطيبات لحياة عادلة وكريمة، وإن البعثي الذي يخفي أوجاع جسده، وينتصر للروح التي تمنحه القوة، ليقف شامخاً قسراً للألم، ليودع رفاقه في لحظة لقاء أخيرة بشكلها الرسمي في أحضان جامعة الخرطوم، حتي يرسم الوعد، والعهد، والنضال، والمسئولية، أمام نفسه، ورفاقه، ومحبيه، وهذا الشعب الذي أحبه من دجلة والفرات.. متنسماً عبق النيل.. ليرسم بغداد حدائق بابل.. تعانق أزهاراً صامدة في الخرطوم الجميلة.. وليصبح حلمه راسخاً في أذهان الجميع.. ويرويها الجميع: أن بدرا كان الرفيق المُحتفى به.. وداً جميلاً متصلاً دائماً بكل الشموخ والبهاء.. وكثر هم اليوم من يجترون الذاكرة، ولا يحتاجون لنبش عظيم، ليستذكروا تلك التفاصيل، ويرددون نعم كان لنا أخاً.. كان لنا أباً.. وكان لنا رفيقاً يحمل عن أكتافنا حمل الإحباط، ليبدلنا إياه فرحاً صامداً وإصراراً بعزيمة محب واثق.
كم مؤجع الآن أن يكون اللقاء الأول يملؤه الفرح، واللقاء الثاني لنتحدث أمام قامته وهو حاضراً بذكراه الطيبة.
اللهم أرحمنا برحمتك.. وبصدق الصادقين الذين رحلوا.. اللهم أرحمهم بواسع رحمتك.. وأسكنهم فسيح جناتك، وسنظل ندعو لمن رحلوا عنا دائماً، ونحتفي بهم في ذواكرنا تواريخاً للصمود وللمحبة وللفعل الحلال.

New Page 1