Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


إلى الشهيد تحسين الأطرش في الذكرى 37 لرحيل قمر من الشمال

نبيل الزعبي
22-11-2017

تعود معرفتي بالشهيد المحامي تحسين الأطرش (أبو علي) إلى العام 1967 وتحديداً عقب هزيمة الخامس من حزيران مباشرة، والتي هزَّت الكيان والوجدان العربيين في الصميم وفي مقدمتهم، أبناء جيلي من الفتية اليافعين آنذاك الذين تفتحوا على خطب الزعيم جمال عبد الناصر وراديو صوت العرب وتعليقات أحمد سعيد النارية،
فكان هذا الجيل المصدوم الأكبر من هول الهزيمة، والمهيأ أكثر من غيره من الأجيال، للوقوع في الرمال المتحركة من اليأس والإحباط التي طوقته فأجبرت من هاجر منهم بقصد الدراسة في الخارج إلى الهروب إلى الامام والانسلاخ عن بيئته وانتمائه، بينما كان على من بقي في البلاد الأم، الحفاظ على كل تماسك فكري داخلي ليبدأ معها رحلة المؤمن القابض على الجمر بقدر خشيته من الضعف والقنوط.
ولقد كان الشهيد أبو علي تحسين، واحداً من ثلاثة قادة كبار كان لي شرف التعرف عليهم عن كثب والتعلَّم منهم بما ينفع للأيام الصعبة القادمة، والتأثر بما يملكون من ثقافة وتجارب وقيم نضالية حفزتني كلها على تعميق علاقتي بحزب البعث العربي الاشتراكي والاقتباس من تجارب قادة كبار على طرازهم.
وَلَكمْ كنت أشعر بالسعادة وانا أحضر الاجتماع التنظيمي بمسؤولية الراحل تحسين، سواء في مرحلة الأصدقاء ثم الانتقال إلى الانصار، عندما كان يفتح أمام أعضاء الخلية كامل مكتبته الفكرية والثقافية أمامنا ويطلب منا اختيار ما نرغب من الكتب ذات العناوين الساخنة المميزة، فكرياً وثقافياً، لنقرأها ثم يعود كل واحد فينا إلى مناقشة ما قرأ بالنقد العلمي المتعمق والمحيط بالموضوع العنوان لنخرج بعدها بخلاصات كانت تؤسس لإنماء ثقافتنا وتطويرها. فضلاً عن التمكن من ملكة الكتابة التي كان لأبي علي الباع الطويل فيها. سواء بأسلوبه السهل الممتنع، أو لغزارة معرفته وقدرته على التحليل، ولقد كان لدماثة أخلاقه وشخصيته الإنسانية ذات الطبع الحضاري الراقي، دورها في جذب المستمعين إليه واللحاق بركاب الخط العقائدي والسياسي الذي ينتمي إليه، وبذلك كان، وكما أسلفت إلى جانب الراحلين الكبيرين الدكتور عبد المجيد الرافعي والأستاذ خالد العلي يستقطبون المريدين من خلال شخصياتهم وممارساتهم، قبل التأثر بأفكارهم، وتلك كانت من المميزات النادرة التي قلَّ أن تجد لها مثيلاً في الأحزاب العقائدية الثورية ذات العمق المتأصل بالجماهير كالبعث العربي الاشتراكي.
وإن أذكر، فما زلت أتذكر إلى يومنا هذا، إحدى اللحظات الحاسمة التي اُعتقلت بها ثلة من يراعم الحزب من الشباب الذي لم تتعدَّ أعمارهم الأربعة عشر عاماً، من قبل قوات الردع العربية التي داهمتهم على حين غرَّه في مستوصف التل بطرابلس عام ١٩٧٦حين خاطبهم الشهيد تحسين وهم في المعتقل بإحدى المقالات القومية الرائعة التي حملت عنوانها "كبار أنتم في معتقلات جلاديكم".
كما أنني ما زلت أتذكر كيف كان لا يحمل لخصوم السياسة أية أحقاد أو ضغائن، ولكم كان يحرص على مساعدة عائلات هؤلاء الذين كانت تضطرهم ظروفهم الأمنية إلى الترك القسري للبلد، فكان ضنيناً بأن تكون المساعدة بالشكل غير العلني والذي يحفظ كرامة هؤلاء معقباً على ذلك بالقول: نحن أبناء المدينة ونحن أم الصبي ونحن علينا أن نُسلف الخصم في أيام الشدة ليعاملنا كما عاملناه فيما لو دارت الأيام علينا.
كان أبو علي تحسين نموذجاً للمناضل الثوري الذي لا تلين له قناة وهو يواجه الخطر، غير آبه بنواحي الربح والخسارة عندما ينحاز إلى الموقف المبدئي النابع من الثوابت التي تربى عليها وعلمها للآخرين.
هو المثقف الذي كان ديدنه المنطق دون أن تتغلب عليه الأهواء الشخصية أو النزعات الخاصة وهو يتعاطى مع الخصوم والرفاق والأصدقاء والأحباب حيث لا يجد أي حرج في تقبل مواقف الآخرين وآرائهم دون أي موقف مسبق منهم من منطلق أن الخلاف في الرأي ينبغي أن لا يفسد في الودِّ قضية.
ومن يعرف أبا علي جيداً، كان يعرف عن كثب أنه الجندي المجهول الذي نذر نفسه لقضية حزبه ومجتمعه ووطنه حيث لم تكن لتستهويه المواقع الأولى ولا يرغب إليها، وهي التي لطالما تطلبت حضوره وتشرفت به في كل المسؤوليات التي تولاها وصولاً إلى عضوية القيادة القطرية للحزب فهو رجل القانون الذي نذر نفسه للدفاع عن المظلومين إلى أية جهة انتموا ومن أية مشارب أتوا، وهو القائد الذي تشهد له ساحات النضال أن لا أعداء له سوى أولئك المرتبطين بالمشروع الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، وتشهد له طرابلس أنه كان الأخ والصديق والوفي لجميع أبنائها، كما تشهد له الكلمة أنه صاحب القلم الملتزم وخير من عبَّر عن هموم الأمة والوطن والإنسان المعذب المظلوم.
أبا علي، لن ينساك الرفاق وأنت تتخطى اليوم في شهادتك الذكرى السابعة والثلاثين ولم تزل حياً كما في السماء كذلك على الأرض، فأمثالك لا يموتون طالما هم يعيشون فينا إلى الأبد.

New Page 1